 فتحت «الوسط» أمس ملف أعمال الحرق التي تتعرّض لها مجموعةٌ من القرى، وهو ملفٌ مسكوتٌ عنه كرها، بعد أن أصبح المجتمع كله أسيرا. التقرير المنشور تحدّث عن أهالي مناطق مختلفة، وهو لم يأتِ بأشياء يجهلها القارئ، ولكنه ينقل واقع الحال المزري الذي وصلته هذه المناطق البائسة التي عانت طويلا من الحرمان. الحرمان والتمييز والمظالم الاجتماعية وحتى جريمة التجنيس... كلها لا تبرّر القيام بأعمالٍ تضر بالمجتمع، وتزيد إضعافه وإنهاكه واستنزاف قواه البشرية. نحن لا نكتب ما تمليه علينا وزارة الداخلية من توجيهات، وإنما ما تمليه علينا ضمائرنا تجاه هذا المجتمع المستباح، مرة على أيدي بعض أفراده، ومرات بتطبيقِ أساليب العقاب والقمع الجماعي. ليس صحيحا استمرار نزف القرى المحرومة التي تكافح من أجل الوقوف على أرجلها. قبل أشهرٍ دشنت حملة «ارتقاء»، لتحسين أوضاعها وتوفير بعض الخدمات الأساسية والمتنفسات... فليس صحيحا تدمير ما يتم من إنجازاتٍ حتى لو كانت صغيرة. يعرف الجميع أن هذه القرى كانت محرومة بقراراتٍ غير مكتوبة، عقابا لها على مواقفها ومطالبتها بالإصلاح السياسي خلال التسعينيات وما قبلها. ولم يكن واقع الحرمان يحتاج إلى زيارة بعض الصحافيين الأجانب لنشر الحقائق على الملأ. كان كل شيء يجري على المكشوف، حتى انفجرت أحداث التسعينيات، وسقط فيها من سقط من شهداء وسجناء، وانداحت موجةٌ جديدة من المنفيين للخارج. هذه الأحداث أعقبها انفراجٌ وجرت انتخاباتٌ واختار الناس ممثليهم، وكانت من أنجح ثمارها التجربة البلدية. مناطق عدة لم تعرف الأسفلت والأرصفة منذ بداية الاستقلال، جرى تنظيمها ورصفها بفعل حركة البلديين المنتخبين. اليوم، مع أعمال الحرق عادت للامتلاء بالمطبات. شوارع كثيرة تم تخريب إنارتها دون هدف. الشارع الرئيسي الذي يمتد من الديه إلى السنابس تم إغراقه في الظلام، فضلا عن أجزاء كبيرة من شوارع السهلتين (الفوقية والتحتية) وجدحفص والمصلّى والبلاد القديم... علما بأن من يعطل الإنارة أو إشارة المرور، سيتسبّب في بعض حوادث المرور. ثم أية حقوقٍ يمكن أن يطالب بها من يقوم باستباحة حقوقٍ أخرى؟ أليست إشارة المرور من المال العام؟ ألم يتم إصلاح الشوارع في السنوات الأخيرة من أموال الشعب؟ فلماذا يسمح لنفسه بهذا التضييع للمال العام؟ أليس ذلك شكلا آخر من الفساد (المالي) الذي يدّعي محاربته؟ أهالي المناطق المنكوبة يؤكدون أن حرق الإطارات ومحتويات القمامة وسدّ الطرقات إنّما تضرهم ولا تنفعهم في شيء، ويقررون «أنها أعمال صِبية ليس لديهم أدنى إحساس بالمسئولية، توقف حياتنا وتتسبب في قطع أرزاق أصحاب المحلات». وهي ليست تأليفا ولا فبركة ولا تجنيا من «الوسط» على أحد، وإنّما شكوى عامة بلغت حد التواتر يوميا، من اتصالات هاتفية و»مسجات» وفاكسات وتعليقات على موقع الصحيفة الإلكتروني. إن من المؤسي حقا أن تبدأ إحدى الأمهات في منطقة السنابس حديثها بالقول: «لا نريد إجازة أسبوعية»؛ لأنها تحوّلت على أيدي البعض إلى حفلة حرقٍ وعبثٍ وتعسير حياة الناس وزيادة معاناتهم. فالإجازة التي يستريح فيها بقية المواطنين، أصبحت عبئا على سكان تلك القرى المنكوبة. لسنا أبواقا للحكومة، فطالما انتقدنا سياساتها الخاطئة التي تولّد مزيدا من الاحتقان ومشاعر الحرمان، لكن لم يعد معقولا ما يجري في القرى المهمّشة من عبثٍ واستنزافٍ وتدميرٍ للذات. |