محمد بوحميد
04-02-2007, 02:09 AM
http://www.olamaa.com/new/news/photos/1175422354sh-isa1.jpg.jpg
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الإيمان فإلى أكثر من عنوان:
التعددية والاندماج:
1) إذا تحدثت السياسة في الغالبية العظمى من البلاد الإسلامية عن التعدّدية بما هي عنوان لقيم الحرية والتسامح والانفتاح فهي إنما تتحدث عن تعددية أديان تهادن السياسة أو تخدمها، وعن تعددية أنماطٍ سلوكية أخلاقية وغير أخلاقية تفتح الباب واسعاً لأي سلوك قذر، وأي ظاهرة اجتماعية قبيحة، ولكلمة الفسق والفجور والرذيلة والمنكر والكفر أن تملأ السَّاحة الإسلامية طولاً وعرضاً. ولكن لا ترتقب من هذه الدعوات تعددية في إطار السياسة، بل السياسة متروكة لحكم الفرد، لحكم القبيلة، لحكم الحزب الواحد.
ومع الاضطرار وتحت ألوان من الضغط لا تُطاق يمكن أن تطرح التعددية ولو على مستوى الشعار ولكنها مع ذلك محرَّمة على الإسلام والإسلاميين. في مصر لا تشمل التعددية إن وُجدت وبحسب التغيير الجديد للدستور الإسلاميين، فلا يُتاح لحزب باسم الإسلام أن ينشأ ويمارس السياسة. في تركيا هناك حجر على الإسلاميين أن ينشؤوا حزباً. في الجزائر هناك منع أو هم في طريق المنع لترشّح إمام الجماعة للمواقع المسموح بالترشّح فيها. أما في البحرين فالصحافة - وهي تابعة للسياسة – تتمنى أن تُسكت المسجد نهائياً عن أن ينطق بكلمة فيها ملاحظة على السياسة.
2) والعالم الغربي يُشدِّد على التعددية السياسية المفتوحة جدّاً في أي بلد من بلدان الإسلام يحكم فيه الإسلام بدرجةٍ وأخرى، أو يقدَّر فيه الإسلام بدرجة من التقدير بسببٍ وآخر، ويسكت أو يداهن على غياب التعددية السياسية في بلد تواليه فيه السياسة، ويبقى مشدداً في الوقت نفسه على التعددية في مجال الفكر والسلوك والحرية الحيوانية والانفتاح على ألوان الفساد الخلقي في هذا البلد أو ذاك من بلدان الولاء.
3) والغرب وأتباعه في بلاد الإسلام يشددون على شرط الاندماج من المسلمين القاطنين في الغرب بحياة الغرب، وأجوائه وعاداته وتقاليده وإسفافه ليُعترف لهم بحق المواطنة أو الإقامة. والنتيجة أن الحكم العادل للغربيين وكذلك المستغربين من أبناء الأمة الإسلامية قاضٍ بأن يعيشوا في البلاد الإسلامية حريةً فكرية وسلوكية بلا ضوابط من دين ولا خلق ولا احترام لهذه الأمة؛ يتعرّى منهم يتعرى، ويفسد من يفسد، ويعربد من يعربد، ويجاهر بكلِّ سوءاته وقبائحه، وينشر الكفر والفسق والفجور ما اشتهى، ويكون غربيّاً كاملاً كما يريد له الغرب وأوضاعه وعاداته وتقاليده وقوانينه وشذوذاته بلا تنازل عن شيء من ذلك على الإطلاق.
أما من أراد من المسلمين المواطنة أو الإقامة في الغرب فعليه أن ينسى هويته الإسلامية، ويطلّق انتماءه لأمته، وأن يندمج في مجتمعه الغربي الجديد، ويذوب في أوضاعه وتقاليده وعاداته ويتخلّى عما يطيب للغرب أن يتخلى عنه هذا المسلم من قيمه وأحكام دينه.
هذا هو المنطق العادل للغرب والمستغربين، وللعولمة والمتعولمين. فهل يعطي المسلمون من أنفسهم كلَّ هذا؟! لئن كان هذا فبطن الأرض للمؤمن خيرٌ من ظهرها.
* قمّة الرياض وكلمة مختصرة:
لم يأتِ طرح المبادرة العربية على إسرائيل في المؤتمر الأخير في صورة أمر مستجد، فهي نفس المبادرة التي طُرحت قبل عليها، ومن بين أهم نقاط الخلاف هي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
والقمة العربية تجعل المبادرة من جديد هي الأساس للتّفاوض، وإسرائيل من جانب آخر تعلن جازمة بأنها لا تقبل بعودة اللاجئين. فمن سيتنازل؟
وهنا نذكر أموراً ثلاثة:-
1) إسرائيل حكومة واحدة واتخاذ القرار في إطارها أسهل، والعرب حكومات متعددة ويصعب اتخاذ القرار الواحد الموحّد في إطارها ولو لاختلف مصالح هذه الحكومات، وهذا فرق في صالح إسرائيل من ناحية المفاوضات.
2) الضغط الأمريكي على العرب الأصدقاء لأمريكا أكبر منه بكثير من الضغط على إسرائيل إن وجد هذا الضغط بالنسبة إليها. وهذا أمر آخر ينضاف لصالح إسرائيل كذلك.
3) الحكومة الإسرائيلية عندها حساب كبير للرأي العام الإسرائيلي الذي يملك أن يسقطها إذا خالفت إرادته في مسألة العودة أو غيرها من المسائل التي تهمّه، بينما الحكومات العربية ليس لها أي حساب لشعوبها المهمّشة البعيدة عن صناعة القرار، وليس هناك من حاكم يخاف أن يسقطه الرأي العام لشعبه. واستمرار الحكومات في الكثير الأكثر من البلاد العربية بل إن لم يكن في البلاد العربية كلها لا يرتبط بخيار الشعوب وصوتها الانتخابي.
4) يسأل: لماذا تسبق جولة وزيرة الخارجية الأمريكية في بعض العواصم العربية انعقاد القمة، ولصالح من؟ لصالح العرب أو لصالح إسرائيل؟ ولماذا تجتمع بمسؤوليّ الأمن الكبار لهذه العواصم وكأنها رئيسة الوزراء لهذه الدول وليست وزيرة الخارجية لدولة أجنبية؟! مسؤولو الأمن الكبار يجتمعون مع رئيس الوزراء للبلد، أو رئيس جمهوريته، وليسوا مسؤولين أمام رئيسة وزراء دولة أخرى، وعليهم أن يقدموا معلوماتهم لها، ويتلقوا منها الأوامر أو النصائح.
5) نجد البعض في الأوساط العربية الرسمية تتصاعد عنده حالة الثقة والاطمئنان والارتباط والميل إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل بينما يتنامى عنده الشك والقلق والريبة في الآخر داخل إطار الأمة العربية والإسلاميَّة.
وهذا خلل خطير لا يليق بأمة الإسلام وقياداتها، وفيه خطر كبير على مصالحها ووجودها لحساب أعداء الأمة من الخارج.
الحكومات والمال العام:
هذه وقفة قصيرة مع موضوع كانت قد تداولته الصحافة المحلية قبل وقت:
أرض مُنحت لأمير خليجي من ساحل المالكية، تُقدّر مساحتها بـ(166 ألف متر مربع). استربح منها الموهوب ما استربح، وأُسيء استعمالها أيّما إساءة أثّرت تأثيراً سلبياً كبيراً على البيئة.
احتاجتها الحكومة لبناء وحدات سكنية فاسترجعتها بـ(15 مليون دينار).
وفي خبر آخر أنه أضيف إلى الثمن المذكور أرض شاسعة في منطقة الحدّ لورثة الموهوب. وبذلك يتضاعف المبلغ أو يزيد.
* وهذه بعض أسئلة تتعلق بهذا الموضوع:
1) هل في أرض البحرين سعة تسمح بمثل هذه الإقطاعيات وإلى هذا الحد والناس تبحث عن خمسين قدماً في خمسين قدماً لتقيم عليه ملجأ لعائلة من عشرة أشخاص أو أكثر؟
2) كم هي المشاريع العامَّة المعطَّلة التي تنتظر أقل من 15 مليون دينار؟
3) إلى كم مظاهرة ومسيرة واعتصام وإلى أي درجة من الاستعداد لتلقي الضرب والجزاء بالسجن في سبيل صرف أقل من هذا المبلغ للطبقة المحتاجة لتخصيص 5 ملايين لا خمسة عشر مليوناً من الميزانية العامة لإقامة مشروع يرتبط بحاجة المحرومين؟!
وكم من تهمة بالخيانة الكبرى والتآمر ستواجه بها مظاهرة في هذا المجال؟!
4) هل يدخل هذا البذل في أولويات الميزانية للدول الغنيّة فضلاً عن الفقيرة؟!
5) هل يوجد أمير في الخليج محتاج إلى هذه الرحمة المالية التي تنقذه من وضعه المأساوي وليتقدم على المحرومين والمعلولين والذين لا يجدون مأوى من المواطنين؟
6) إذا كان هذا حظّ أميرٍ خليجي من خارج البحرين فما حظ متنفِّذٍ من البحرين نفسها؟!
وعليه نسأل: ماذا يبقى لهذا الشعب حتى لا يبكي، لا يصرخ، لا يتظاهر، لا يعتصم، لا يجن؟!
وعلى هامش هذه القضية، وعلى مستوى الطرح العلمي البعيد عن السياسة يأتي هذا البحث:
هل الحكومات مالكٌ حرٌّ مطلق التصرف في المال العام كما يريد هذا المالك؟ أو هو وكيل يتقيد بإرادة الموكل ويحاسب أمامه، أو هو مؤتمن مأمور بالتصرف الذي يوافق رأي الآمر المؤتمن؟
والجواب أن هذا يختلف باختلاف نوع الحكومات:
أ- حكومة الغلبة: حكومة تقوم شرعيتها على الغلبة، على القوّة، والبطش، والظفر والناب. هذه الحكومات ترى من نفسها أنها مالك أصيل؛ يتصرف التصرف الحر في الشعوب والثروات، وهو غير مسؤول أمام أحد؛ لا أمام الله ولا أمام الناس. وعطاؤه ينطلق من روح الاستصلاح للشعب والأمة والأرض إلى الحد الذي يخدم ذلك الحاكم المالك، وذلك على حدّ ما في استصلاح الإنسان لوضع غنمه وبقره. فكما يحتاج الإنسان أن يستصلح وضع غنمه وبقره فيضطر إلى أن ينفق على هذه الحيوانات فكذلك ترى بعض الحكومات أنها مضطرة ومن باب مراعاة مصلحتها وبقاء وجودها أن تنفق شيئاً من الفتات على الشعوب. وفي العادة يكون العطاء في هذه الحالة مصحوبا بالمنّة والشعور بالجميل على الآخر.
ب- الحكومة الديموقراطية: وهي وكيل يتبع تصرفه في المال العام إرادة الشعب والأمة، وترى نفسها بحسب منطلقها الديموقراطي مسؤولة أمامهما، وهذا من ناحية نظريّة وقانونية، أما واقع المسألة فيرتبط بحيوية الضمير والتقوى والإذعان لإرادة الله عزّ وجل، أما الشعوب فيمكن التحايل عليها، ويمكن الالتفاف عليها، وهذه النظرة الديموقراطية لا تعصم الحكومات ولا تجعلها عادلة، وإن كانت تعطي فرصة أوسع لمحاسبة الحكومات ومراقبتها..
ج- الحكومة الشرعية: أي التي تأخذ نوع حكمها من الله، وشرعية حكمها من الله، وتتقيد بحكم الله في ممارستها، كما هي حكومة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذه الحكومة ترى نفسها مكلفاً مأموراً مؤتمناً على المال، ووكيلاً عن الأمة في نفس الوقت، وترى نفسها مسؤولة أمام مكلِّفها، والتصرف عندها تابع لإرادة الآمر سيد الحكم والأمة معاً، والمؤتمن لهما على الثروة، كما أن التصرف عندها تابع لمصلحة الشعب والأمة، والحكومة في هذا الحال إذا لم تكن معصومة ترى نفسها مسؤولة ومحاسبة أمام الشعب والأمة طبقا لتخويل المالك الأصل وهو الله تبارك وتعالى.
* وماذا يقول الإسلام من خلال سيرة أمير المؤمنين عليه السلام؟
تبيّن سيرة أمير المؤمنين عليه السلام أن المال مال الله، وأنه لعيال الله، ولا يرى أمير المؤمنين عليه السلام نفسه مالكاً للمال، كما لا يرى نفسه مالكاً لأحد من الناس.
أمير المؤمنين عليه السلام يطفي شمعة في لقاء مع أمين الخزانة في بيت المال بعد انتهاء العمل المتصل بصالح المسلمين، بحجة أنه لا يُنفق على شيء لحظة خارج مصلحة المسلمين من بيت المال.
يتحفّظ على صفيحة العسل أو السمن تحفّظاً شديدا ويحكمها إحكاماً بقبضته الحديدية سلام الله عليه حتى لا يصل إليها تصرف من طفل من الأطفال.
يقف من عقيل أخيه الموقف الذي تعرفون.
يساوي في العطاء من بيت المال بين العربية وغيرها، ويطرح الحجة في ذلك بأن المال لو كان ماله لعدل فيه فكيف والمال مال الله ثم الأمة.
هذه هي نظرة الحكومة الشرعية لا تبيح لصاحبها، ومن خلال تكوينه الفكري وتكوينه الوجداني، وزاد التقوى عنده أن يتصرف في درهم واحد خارج أمر الله ومصلحة الأمة.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نظلم أو نُظلم، أو نضلّ أو نُضلّ، أو نجهل أو يُجهل علينا، ونعوذ بك من نصرة الباطل وخذلان الحق، والأخذ بالضلال، والعمى عن الهدى، وأن يكون عملنا رياءاً، وسعينا لغير وجهك الكريم. اللهم ارزقنا خير الدارين، وجنبنا شرهما.
{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }
الخطبة الثانية
أما بعد أيها الإخوة والأخوات في الإيمان فإلى أكثر من عنوان:
التعددية والاندماج:
1) إذا تحدثت السياسة في الغالبية العظمى من البلاد الإسلامية عن التعدّدية بما هي عنوان لقيم الحرية والتسامح والانفتاح فهي إنما تتحدث عن تعددية أديان تهادن السياسة أو تخدمها، وعن تعددية أنماطٍ سلوكية أخلاقية وغير أخلاقية تفتح الباب واسعاً لأي سلوك قذر، وأي ظاهرة اجتماعية قبيحة، ولكلمة الفسق والفجور والرذيلة والمنكر والكفر أن تملأ السَّاحة الإسلامية طولاً وعرضاً. ولكن لا ترتقب من هذه الدعوات تعددية في إطار السياسة، بل السياسة متروكة لحكم الفرد، لحكم القبيلة، لحكم الحزب الواحد.
ومع الاضطرار وتحت ألوان من الضغط لا تُطاق يمكن أن تطرح التعددية ولو على مستوى الشعار ولكنها مع ذلك محرَّمة على الإسلام والإسلاميين. في مصر لا تشمل التعددية إن وُجدت وبحسب التغيير الجديد للدستور الإسلاميين، فلا يُتاح لحزب باسم الإسلام أن ينشأ ويمارس السياسة. في تركيا هناك حجر على الإسلاميين أن ينشؤوا حزباً. في الجزائر هناك منع أو هم في طريق المنع لترشّح إمام الجماعة للمواقع المسموح بالترشّح فيها. أما في البحرين فالصحافة - وهي تابعة للسياسة – تتمنى أن تُسكت المسجد نهائياً عن أن ينطق بكلمة فيها ملاحظة على السياسة.
2) والعالم الغربي يُشدِّد على التعددية السياسية المفتوحة جدّاً في أي بلد من بلدان الإسلام يحكم فيه الإسلام بدرجةٍ وأخرى، أو يقدَّر فيه الإسلام بدرجة من التقدير بسببٍ وآخر، ويسكت أو يداهن على غياب التعددية السياسية في بلد تواليه فيه السياسة، ويبقى مشدداً في الوقت نفسه على التعددية في مجال الفكر والسلوك والحرية الحيوانية والانفتاح على ألوان الفساد الخلقي في هذا البلد أو ذاك من بلدان الولاء.
3) والغرب وأتباعه في بلاد الإسلام يشددون على شرط الاندماج من المسلمين القاطنين في الغرب بحياة الغرب، وأجوائه وعاداته وتقاليده وإسفافه ليُعترف لهم بحق المواطنة أو الإقامة. والنتيجة أن الحكم العادل للغربيين وكذلك المستغربين من أبناء الأمة الإسلامية قاضٍ بأن يعيشوا في البلاد الإسلامية حريةً فكرية وسلوكية بلا ضوابط من دين ولا خلق ولا احترام لهذه الأمة؛ يتعرّى منهم يتعرى، ويفسد من يفسد، ويعربد من يعربد، ويجاهر بكلِّ سوءاته وقبائحه، وينشر الكفر والفسق والفجور ما اشتهى، ويكون غربيّاً كاملاً كما يريد له الغرب وأوضاعه وعاداته وتقاليده وقوانينه وشذوذاته بلا تنازل عن شيء من ذلك على الإطلاق.
أما من أراد من المسلمين المواطنة أو الإقامة في الغرب فعليه أن ينسى هويته الإسلامية، ويطلّق انتماءه لأمته، وأن يندمج في مجتمعه الغربي الجديد، ويذوب في أوضاعه وتقاليده وعاداته ويتخلّى عما يطيب للغرب أن يتخلى عنه هذا المسلم من قيمه وأحكام دينه.
هذا هو المنطق العادل للغرب والمستغربين، وللعولمة والمتعولمين. فهل يعطي المسلمون من أنفسهم كلَّ هذا؟! لئن كان هذا فبطن الأرض للمؤمن خيرٌ من ظهرها.
* قمّة الرياض وكلمة مختصرة:
لم يأتِ طرح المبادرة العربية على إسرائيل في المؤتمر الأخير في صورة أمر مستجد، فهي نفس المبادرة التي طُرحت قبل عليها، ومن بين أهم نقاط الخلاف هي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.
والقمة العربية تجعل المبادرة من جديد هي الأساس للتّفاوض، وإسرائيل من جانب آخر تعلن جازمة بأنها لا تقبل بعودة اللاجئين. فمن سيتنازل؟
وهنا نذكر أموراً ثلاثة:-
1) إسرائيل حكومة واحدة واتخاذ القرار في إطارها أسهل، والعرب حكومات متعددة ويصعب اتخاذ القرار الواحد الموحّد في إطارها ولو لاختلف مصالح هذه الحكومات، وهذا فرق في صالح إسرائيل من ناحية المفاوضات.
2) الضغط الأمريكي على العرب الأصدقاء لأمريكا أكبر منه بكثير من الضغط على إسرائيل إن وجد هذا الضغط بالنسبة إليها. وهذا أمر آخر ينضاف لصالح إسرائيل كذلك.
3) الحكومة الإسرائيلية عندها حساب كبير للرأي العام الإسرائيلي الذي يملك أن يسقطها إذا خالفت إرادته في مسألة العودة أو غيرها من المسائل التي تهمّه، بينما الحكومات العربية ليس لها أي حساب لشعوبها المهمّشة البعيدة عن صناعة القرار، وليس هناك من حاكم يخاف أن يسقطه الرأي العام لشعبه. واستمرار الحكومات في الكثير الأكثر من البلاد العربية بل إن لم يكن في البلاد العربية كلها لا يرتبط بخيار الشعوب وصوتها الانتخابي.
4) يسأل: لماذا تسبق جولة وزيرة الخارجية الأمريكية في بعض العواصم العربية انعقاد القمة، ولصالح من؟ لصالح العرب أو لصالح إسرائيل؟ ولماذا تجتمع بمسؤوليّ الأمن الكبار لهذه العواصم وكأنها رئيسة الوزراء لهذه الدول وليست وزيرة الخارجية لدولة أجنبية؟! مسؤولو الأمن الكبار يجتمعون مع رئيس الوزراء للبلد، أو رئيس جمهوريته، وليسوا مسؤولين أمام رئيسة وزراء دولة أخرى، وعليهم أن يقدموا معلوماتهم لها، ويتلقوا منها الأوامر أو النصائح.
5) نجد البعض في الأوساط العربية الرسمية تتصاعد عنده حالة الثقة والاطمئنان والارتباط والميل إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل بينما يتنامى عنده الشك والقلق والريبة في الآخر داخل إطار الأمة العربية والإسلاميَّة.
وهذا خلل خطير لا يليق بأمة الإسلام وقياداتها، وفيه خطر كبير على مصالحها ووجودها لحساب أعداء الأمة من الخارج.
الحكومات والمال العام:
هذه وقفة قصيرة مع موضوع كانت قد تداولته الصحافة المحلية قبل وقت:
أرض مُنحت لأمير خليجي من ساحل المالكية، تُقدّر مساحتها بـ(166 ألف متر مربع). استربح منها الموهوب ما استربح، وأُسيء استعمالها أيّما إساءة أثّرت تأثيراً سلبياً كبيراً على البيئة.
احتاجتها الحكومة لبناء وحدات سكنية فاسترجعتها بـ(15 مليون دينار).
وفي خبر آخر أنه أضيف إلى الثمن المذكور أرض شاسعة في منطقة الحدّ لورثة الموهوب. وبذلك يتضاعف المبلغ أو يزيد.
* وهذه بعض أسئلة تتعلق بهذا الموضوع:
1) هل في أرض البحرين سعة تسمح بمثل هذه الإقطاعيات وإلى هذا الحد والناس تبحث عن خمسين قدماً في خمسين قدماً لتقيم عليه ملجأ لعائلة من عشرة أشخاص أو أكثر؟
2) كم هي المشاريع العامَّة المعطَّلة التي تنتظر أقل من 15 مليون دينار؟
3) إلى كم مظاهرة ومسيرة واعتصام وإلى أي درجة من الاستعداد لتلقي الضرب والجزاء بالسجن في سبيل صرف أقل من هذا المبلغ للطبقة المحتاجة لتخصيص 5 ملايين لا خمسة عشر مليوناً من الميزانية العامة لإقامة مشروع يرتبط بحاجة المحرومين؟!
وكم من تهمة بالخيانة الكبرى والتآمر ستواجه بها مظاهرة في هذا المجال؟!
4) هل يدخل هذا البذل في أولويات الميزانية للدول الغنيّة فضلاً عن الفقيرة؟!
5) هل يوجد أمير في الخليج محتاج إلى هذه الرحمة المالية التي تنقذه من وضعه المأساوي وليتقدم على المحرومين والمعلولين والذين لا يجدون مأوى من المواطنين؟
6) إذا كان هذا حظّ أميرٍ خليجي من خارج البحرين فما حظ متنفِّذٍ من البحرين نفسها؟!
وعليه نسأل: ماذا يبقى لهذا الشعب حتى لا يبكي، لا يصرخ، لا يتظاهر، لا يعتصم، لا يجن؟!
وعلى هامش هذه القضية، وعلى مستوى الطرح العلمي البعيد عن السياسة يأتي هذا البحث:
هل الحكومات مالكٌ حرٌّ مطلق التصرف في المال العام كما يريد هذا المالك؟ أو هو وكيل يتقيد بإرادة الموكل ويحاسب أمامه، أو هو مؤتمن مأمور بالتصرف الذي يوافق رأي الآمر المؤتمن؟
والجواب أن هذا يختلف باختلاف نوع الحكومات:
أ- حكومة الغلبة: حكومة تقوم شرعيتها على الغلبة، على القوّة، والبطش، والظفر والناب. هذه الحكومات ترى من نفسها أنها مالك أصيل؛ يتصرف التصرف الحر في الشعوب والثروات، وهو غير مسؤول أمام أحد؛ لا أمام الله ولا أمام الناس. وعطاؤه ينطلق من روح الاستصلاح للشعب والأمة والأرض إلى الحد الذي يخدم ذلك الحاكم المالك، وذلك على حدّ ما في استصلاح الإنسان لوضع غنمه وبقره. فكما يحتاج الإنسان أن يستصلح وضع غنمه وبقره فيضطر إلى أن ينفق على هذه الحيوانات فكذلك ترى بعض الحكومات أنها مضطرة ومن باب مراعاة مصلحتها وبقاء وجودها أن تنفق شيئاً من الفتات على الشعوب. وفي العادة يكون العطاء في هذه الحالة مصحوبا بالمنّة والشعور بالجميل على الآخر.
ب- الحكومة الديموقراطية: وهي وكيل يتبع تصرفه في المال العام إرادة الشعب والأمة، وترى نفسها بحسب منطلقها الديموقراطي مسؤولة أمامهما، وهذا من ناحية نظريّة وقانونية، أما واقع المسألة فيرتبط بحيوية الضمير والتقوى والإذعان لإرادة الله عزّ وجل، أما الشعوب فيمكن التحايل عليها، ويمكن الالتفاف عليها، وهذه النظرة الديموقراطية لا تعصم الحكومات ولا تجعلها عادلة، وإن كانت تعطي فرصة أوسع لمحاسبة الحكومات ومراقبتها..
ج- الحكومة الشرعية: أي التي تأخذ نوع حكمها من الله، وشرعية حكمها من الله، وتتقيد بحكم الله في ممارستها، كما هي حكومة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. هذه الحكومة ترى نفسها مكلفاً مأموراً مؤتمناً على المال، ووكيلاً عن الأمة في نفس الوقت، وترى نفسها مسؤولة أمام مكلِّفها، والتصرف عندها تابع لإرادة الآمر سيد الحكم والأمة معاً، والمؤتمن لهما على الثروة، كما أن التصرف عندها تابع لمصلحة الشعب والأمة، والحكومة في هذا الحال إذا لم تكن معصومة ترى نفسها مسؤولة ومحاسبة أمام الشعب والأمة طبقا لتخويل المالك الأصل وهو الله تبارك وتعالى.
* وماذا يقول الإسلام من خلال سيرة أمير المؤمنين عليه السلام؟
تبيّن سيرة أمير المؤمنين عليه السلام أن المال مال الله، وأنه لعيال الله، ولا يرى أمير المؤمنين عليه السلام نفسه مالكاً للمال، كما لا يرى نفسه مالكاً لأحد من الناس.
أمير المؤمنين عليه السلام يطفي شمعة في لقاء مع أمين الخزانة في بيت المال بعد انتهاء العمل المتصل بصالح المسلمين، بحجة أنه لا يُنفق على شيء لحظة خارج مصلحة المسلمين من بيت المال.
يتحفّظ على صفيحة العسل أو السمن تحفّظاً شديدا ويحكمها إحكاماً بقبضته الحديدية سلام الله عليه حتى لا يصل إليها تصرف من طفل من الأطفال.
يقف من عقيل أخيه الموقف الذي تعرفون.
يساوي في العطاء من بيت المال بين العربية وغيرها، ويطرح الحجة في ذلك بأن المال لو كان ماله لعدل فيه فكيف والمال مال الله ثم الأمة.
هذه هي نظرة الحكومة الشرعية لا تبيح لصاحبها، ومن خلال تكوينه الفكري وتكوينه الوجداني، وزاد التقوى عنده أن يتصرف في درهم واحد خارج أمر الله ومصلحة الأمة.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نظلم أو نُظلم، أو نضلّ أو نُضلّ، أو نجهل أو يُجهل علينا، ونعوذ بك من نصرة الباطل وخذلان الحق، والأخذ بالضلال، والعمى عن الهدى، وأن يكون عملنا رياءاً، وسعينا لغير وجهك الكريم. اللهم ارزقنا خير الدارين، وجنبنا شرهما.
{ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }