المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ثورة الحسين بن علي بن ابي طالب كاملة


مجيد36
02-18-2008, 03:19 PM
بسم اللة الرحمن الرحيم
والصلاة واليلام على سيدنا محمد والة المنتجبين وسلم
حبيت اقدم في مشاركتي الاولى في المنتدى الثورة الحسينية الكاملة
اترككم مع الثورة:
«1»

الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (ع); حركته المقدسة:
إعداد: السيد لطيف القزويني

ولادته:
في اليوم الثالث من شهر شعبان المبارك السنة الرابعة من الهجرة، زُفّت البشرى الى الرسول الاكرم (ص) بميلاد ولده الحسين (ع)، فمأسرع الى دار علي والزهراء (ع) فقال لاسماء بنت عميس: (يا أسماء هاتي ابني)، فحملته اليه، وقد لُفّ في خرقة بيضاء، فاستبشر (ص)، وضمّه اليه، وأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم وضعه في حجره وبكى، فقالت أسماء: فداك أبي وأمي ممّ بكاؤك؟ قال (ص): (من ابني هذا) قالت: انه ولد الساعة، قال: (يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي)، ثم قال: (يا أسماء لا تخبري فاطمة، فانها حديثة عهد بولادته).(1)
منزلته (ع):
للامام الحسين (ع) منزلة عظمى لا يرقى اليها كلّ أهل زمانه، وقد بلغ المقام الرفيع والقمّة السامقة في الامة الاسلامية، فقد أعرب القرآن الكريم، معجزة الاسلام العظمى، في العديد من آياته الشريفة، عن الشوط البعيد الذي قطعه الحسين (ع) من الدرجات الرفيعة عند الله تعالى، فهو أحد الخمسة المطهرين الذين نزل في حقّهم قوله تعالى: (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً).(2) ومن الذين ذكروا في آية المباهلة: (... فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا أبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم...).(3) وفي آية المودة: (قل لا أسمألكم عليه أجراً الا المودّة في القربى).(4)
فمن خلال هذه الآيات الكريمة وغيرها الكثير; تتجّلى مكانة أبي الاحرار الامام الحسين (ع)، ومنزلته السامية عند الله تعالى. ومن نافلة القول، نشير الى بعض النصوص التي وردت عن رسول الله (ص) بشمأنه (ع):
1 - في صحيح الترمذي عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول الله (ص): (حسين منّي وأنا

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - اعلام الورى بمأعلام الهدى للطبرسي ط بيروت ص 217، وذخائر العقبى ص119، ومقتل الحسين، للخوارزمي، ج 1، ص 87 و 88.
2 - الاحزاب: 33
3 - آل عمران: 61
4 - الشورى: 23
«2»

من حسين، أحبّ الله من أحبّ حسيناً، حسينٌ سبط من الاسباط.(1)
2 - عن عبدالله بن مسعود قال: ان رسول الله (ص) قال في الحسن والحسين (ع): (هذان ابناي، فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما، فقد ابغضني).(2)
وفاؤه للعهد:
لقد كان الامام الحسين (ع) مثالاً وقدوةً في الالتزام الاخلاقي والقانوني. كان سلوكه السياسي ممارسة تطبيقية للفقه السياسي في الشريعة الاسلامية، لا يفصل بين السياسة والخلق الاسلامي النبيل، الذي كان يتجسّد في سلوكه وعبادته وكل حياته.
فالسلوك السياسي في نظر الشريعة المقدسة، يقوم على أسس عبادية وأخلاقية، لذا نرى أن الموالين لاهل البيت (ع) في العراق، والذي عانوا من سلوك السلطة الاموية، وبطشها، وتعاملها الظالم، حينما تحركوا بعد استشهاد الامام الحسن (ع) عام (50 ه)، واتجهوا الى الامام الحسين (ع) وبعثوا بالكتب والرسائل يطلبون منه (ع) خلع معاوية والبيعة له، رفض (ع) الاستجابة لهم، وردّ عليهم، أنه لا يوافقهم هذا الاتجاه والتحرك; لان بينه وبين معاوية عهداً - العهد الذي وقّعه الامام الحسن (ع) مع معاوية - ولا يجوز نقضه. فقد روى الكلبي والمدائني، وغيرهما من أصحاب السير: لمّا مات الحسن (ع) تحركت الشيعة بالعراق، وكتبوا الى الحسين (ع) في خلع معاوية والبيعة له، فامتنع عليهم، وذكر، أن بينه وبين معاوية عهداً وعقداً، لا يجوز له نقضه حتى تمضي المدة، فاذا مات معاوية، نظر في ذلك.(3)
يزيد الخمّار خليفة للمسلمين!!:
ذلّل معاوية الصّعاب، وأحكم القبضة بكل ما أوتي من وسائل البطش والدهاء والمكر والمال ونقل السلطة ورئاسة الدولة الاسلامية الى ولده يزيد، ومع كل هذا التمهيد، فان العصابة الاموية، وعلى رأسها معاوية بن آكلة الاكباد، لمّا يطمئن على سلطته بعد، فالحاكم الجديد ليس بوسعه أن يتحدى قيم الامة ومبادئها التي ربّاها رسول الله (ص) على الولاء لاهل بيته (ع) ومحبتهم، لولا تلك الارضية والطريق الذي عبّده معاوية للتحكّم في رقاب المسلمين، واحكام الطوق عليهم.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - فضائل الخمسة للفيروزآبادي، ج 3، ص 321، وصحيح الترمذي، ج 2، ص 307.
2 - المصدر السابق.
3 - الارشاد للمفيد، ص 200.
«3»

لقد كانت العشرين عاماً الماضية من تسلّط الحكم الاموي، واثرته وتحكّمه في رقاب المسلمين، كافية لان تحفّز الامة على الثورة، وتوقظها من سباتها، وتجعلها تعد العدّة لخلع الحاكم المفروض عليها، يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فحين تشتدّ المحن، وتتوالى الشدائد، ويطوّق الامة طوق الارهاب، والتسلّط السياسي، تتّجه الانظار الى رجال المعارضة، وقادة الرأي، وأقطاب الحركة التي تحمل روح الثورة، وتعيش معاناة الناس. ولم يكن في هذه الامة يومها من رجل كسيّد شباب أهل الجنة (ع)، فهو سيد قريش، وسبط الرسول الاكرم (ص) وابن أميرالمؤمنين (ع) وخيرة رجال الامة شرفاً وفضلاً وورعاً، وكفاءة وشجاعة وخلقاً، وليس في المسلمين من يجهل مقامه، أو ينكر شخصيته، فقد كان معاوية يخشاه، ويعلم موقعه ومكانته عند عامة المسلمين، وقدرته على قيادة الامة وتحريك عواطفها، وتعبئتها للقتال، واحقاق الحق، ولما كان يزيد يعرف ويعلم علم اليقين بتعلّق الامة بالحسين (ع)، وشدّته وروح الوثبة والثورة فيه، وموقفه من أبيه معاوية، ورفضه القاطع واستنكاره لفرض يزيد خليفة على المسلمين; لذلك تركّز همّه، وازدادت مخاوفه في شخص الحسين (ع)، مما حدا به، ومنذ الايام الاولى لتولّيه السلطة الى بعث كتاب الى واليه على المدينة، الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، ومما جاء فيه:... أما بعد، فخذ حسيناً، وعبدالله بن عمر، وابن الزبير، بالبيعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة، حتى يبايعوا.(1)
استلم الوليد رسالة يزيد، وقرأ فيها نعي معاوية. (2) الاّ أنه كتم سرّ الكتاب، وفكّر مليّاً، ثم استدعى مروان ليبلغه النبمأ، ويستشيره في كيفية مواجهة الحسين (ع) وتنفيذ قرار يزيد قبل أن يستفحل الامر ويفلت الموقف، فلم يكن لدى مروان بن الحكم من رأي، غير المكر، حيث قال: أرى أن تدعوهم الساعة وتمأمرهم بالبيعة، فان فعلوا، قبلت منهم، وكففت عنهم، وان أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية، فانهم ان علموا بموته، وثب كل رجل منهم بناحية، وأظهر الخلاف، ودعا الى نفسه... الخ.(3)
الحسين (ع) في أول مواجهة له مع الظالمين:
تمت المشورة، وتبلور الرأي، وتحدد الموقف، وتسارعت الخطى للاطاحة بالحسين، وتطويقه، ومباغتته، واجهاض حركته، لئلا ينتشر خبر هلاك معاوية، ويتحرك الرأي العام، ويتجه الناس اليه فيبايعونه. ففي تاريخ الامم والملوك:... فمأرسل الوليد، عبدالله

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تاريخ الامم والملوك للطبري، ج 4، ص 250، والكامل لابن الاثير، ج 4، ص 14.
2 - هلك معاوية في رجب سنة 60 ه
3 - تاريخ الامم والملوك للطبري، ج 4، ص 251، والكامل في التاريخ، ج 4،ص14.
«4»

بن عمر بن عثمان - وهو غلامٌ حدث - الى الحسين وابن الزبير يدعوهما، فوجدهما في المسجد، وهما جالسان، فمأتاهما في ساعة، لم يكن الوليد يجلس فيها للناس، فقال: أجيبا الامير، فقالا: انصرف، الآن نمأتيه.(1)
علم الحسين (ع) بالخطة الاموية، وتهيمأ للمواجهة، وأدرك المباغتة، وعرف لغة التعامل مع مثل هؤلاء، وبعزيمة عالية وموقف شجاع، ملؤه التحدّي والرفض والاستنكار; قرر منذ الوهلة الاولى أن يجابه تسلّط يزيد، ويردّ على الموقف السياسي الخطير الذي سينشمأ من تولّيه شؤون الامة الاسلامية. فكانت أول خطوة خطاها أبو الاحرار الحسين (ع) هي:
بعث الحسين الى اخوته وأهل بيته، وحاشيته، فاجتمع من حوله ثلاثون رجلاً، فكانوا كوكبة، أبطال، ورجال ثورة، وهكذا سار بهم الى الوليد، مستعداً للدفاع، متمأهباً للمواجهة، فليس في نفس الحسين (ع) رضىً ولا مهادنة، ولا ضعف أو وهن، فبين جنبيه قلب علي بن أبي طالب (ع)، وفي يده سيف الحق، وفي نفسه نفحة النبوة، وعزّة الامامة، وشرف الرجولة.
سار الحسين (ع) ومن معه الى ديوان الوليد، وقال لهم: ان دعوتكم أو سمعتم صوته قد علا، فاقتحموا عليّ بمأجمعكم، والا فلا تبرحوا حتى أخرج اليكم.(2)
اجتاز الحسين (ع) مجلس الوليد فسّلم وجلس، وكان الى جوار الوليد مروان بن الحكم وقد أخبر الوليد الحسين (ع) بموت معاوية وعرض عليه البيعة ليزيد فقال (ع): (أيها الامير ان البيعة لا تكون سرّاً، ولكن اذا دعوت الناس عذاً فادعنا معهم)، فقال مروان: لا تقبل أيها الامير عذره حتى يبايع، والا فاضرب عنقه، فغضب الحسين (ع) ثم قال: (ويل لك يا ابن الزرقاء أنت تضرب عنقي؟! كذبت والله ولؤمت)، ثم أقبل على الوليد فقال: (أيها الامير انّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق، ومثلي لايبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظرو تنظرون أينّا أحق بالخلافة والبيعة)، ثم خرج (ع). فقال مروان للوليد: عصيتني فقال: ويحك: انك أشرت بذهاب ديني ودنياي، والله ما أحب أن ملك الدنيا بمأسرها لي، وانني قتلت حسيناً، والله ما أظن أحداً يلقى الله بدم الحسين وهو خفيف الميزان، لا ينظر الله اليه، ولا يزّكيه وله عذاب اليم.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - المصدر السابق.
2 - المصدر السابق، والفصول المهمّة، ص 182.
3 - مقتل الحسين لابن طاووس، ص 10 و 11 وتاريخ الامم والملوك للطبري، ج 4، ص 251، والكامل في التاريخ، ج 4، ص 15.
«5»



بداية التحرّك:
انفضّ المجلس وانصرف الحسين (ع) عائداً الى اهله وقد عزم على الجهاد، وتمأهب للمواجهة، واستعد للكفاح.
وقد أوضح الامام الحسين (ع) سبب تحركه وخروجه من المدينة ورفضه لسلطة يزيد بعد تردّي الاوضاع السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية للامّة، وقد دفعه للتحرك والخروج من المدينة، الاحساس بمسؤولية الاصلاح ومجابهة الحاكم الاموي الجديد.
الشعار الذي حمله الحسين (ع):
جاء في نصّ رسالة الامام الحسين (ع): (لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله (ص)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي).(1) ويوضح الامام (ع) سبب رفضه لبيعة يزيد بقوله: (ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لايبايع لمثله).(2) وشرح في كتبه (ع) ومراسلاته مع الاقطار والانصار سبب تحركه، ووضّح مبررات ثورته، فقد جاء في رسالته الى أهل الكوفة يعرّفهم بالمواصفات التي يجب أن يتصف بها الامام الذي تجب له البيعة والطاعة: (فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الداين بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله).(3)وكتب الى زعماء البصرة وقادة الرأي والمعارضة فيها (رؤساء الاخماس) كتاباً وهم: مالك بن مسمع البكري، والاحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عبيد بن معمر، وأرسله مع أحد رجاله. وجاء في هذه الرسالة: (وأنا ادعوكم الى كتاب الله وسنّة نبيه (ص)، فان السنّة قد أميتت، والبدعة قد أحييت، فان تسمعوا قولي، أهدكم الى سبيل الرشاد).(4)
وهكذا يثبّت الامام (ع) الاسس والاصول السياسية لنظرية الحكم، ويثبّت قواعدها، وأصولها القانونية في شريعة القرآن الكريم .
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - مقتل الحسين للخوارزمي، ج 1، ص 88.
2 - مقتل الحسين لابن طاووس، ص 11.
3 - الإرشاد للمفيد، ص 204. |
4 - مقتل الحسين للمقرّم، ص 141 و 142.
«6»

اسباب التحرك:
من خلال استقراء الكتب والحوار والخطب والمراسلات، ودراسة الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمرحلة التي عاشها الحسين (ع) نجد أن هناك عدّة أسباب دفعته للتحرّك.
1 - الاستبداد والاستئثار بالسلطة، فقد نشمأت طبقة سياسية متميزة وحزب عشائري. متفرد، هو الحزب الاموي الذي استمأثر بالسلطة والمال والادارة وحرم بقية أبناء الامة.
2 - القتل والارهاب وسفك الدماء.
3 - العبث بمأموال الامة والدولة ونشوء طبقة الرأسمالية الى جانب الفقر والحاجة في ذلك المجتمع.
4 - الانحراف السلوكي: فقد بدأ الانحراف يدبّ في الحياة العامة ومظاهر الفساد الاجتماعي تظهر في سلوك الافراد والجماعة.
5 - غياب القانون وتحكّم المزاج والمصلحة الشخصية للحاكم والولاة بدل الشريعة والقانون.
6 - نشوء طبقة من وضّاع الحديث والمحرّفين لسنّة الرسول (ص) وقد حفظ لنا التاريخ أرقاماً ووقائع تشهد بانحدار المجتمع وتباعده عن كثير من القيم والقوانين الاسلامية، ومن يقرأ تلك الفترة يجد أن ثورة الحسين (ع) كانت ضرورة تاريخية ملحّة ، وان الظروف المتردية هي التي أفزرت عوامل الثورة وأسبابها، وان الحسين (ع) لم يجد مناصّاً من التحرك والثورة.
لهذه الاسباب وأمثالها قرّر الامام الحسين (ع) التوجه الى مكة المكرمة ليعدّ للامر عدّته، ويهيى للاحداث الجديدة الاستعدادات المناسبة، فقد جمع أهل بيته وحاشيته وأصحابه، وانطلق الى مكة المكرمة في الليلة الثانية من اجتماعه بالوليد والي المدينة، و مروان بن الحكم أحد أعمدة السلطة الاموية في المدينة، وأبرز مخططي سياستها العامة، لقد زحف بذلك الموكب القليل العدد، العظيم الارادة من مدينة جده الرسول الاكرم (ص) الى مكة المكرمة في الثالث من شعبان من سنة 60 ه ليقرر مستقبل المسيرة.(1)
وقد اصطحب الحسين (ع) في درب الكفاح الطويل اخوته وأبناءه وبني أخيه، وجلّ أهل بيته، ا لا محمد بن الحنفية، وقد عظم الامر على أخيه محمد بن الحنيفة وعمر بن علي وكذلك أم سلمة زوج رسول الله (ص)، وكل منهم طلب من الامام العدول عن رأيه.لكنه (ع) لم يجد مفرّاً من الخروج من المدينة والتحرك في الآفاق، ولم يثن عزيمته ويوقف زحفه كل الذين أشفقوا عليه، وتخوّفوا عليه من القتل، فقد قالت له أم سلمة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الإرشاد للمفيد في خروج الحسين (ع). |
«7»

زوجة رسول الله (ص) وناشدته أن لا يخرج، وأخبرته عن جده رسول اللّه (ص) أنه يقتل، فاعتذر لها وقال:(يا أمّاه وأنا أعلم أني مقتول)، وجاء عبد الله بن عمر بن الخطاب وطلب منه العدول عن رأية والبيعة ليزيد فمأبى الحسين ورفض الا الخروج والمواجهة، فلم يكن الامر الذي آلت اليه الامة ليسمح له بالسكوت، لذلك ردّ على عبد الله بن عمر:
(يا أبا عبد الرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا على اللّه أن رأس يحيى بن زكريا أهدي الى بغي من بغايا بني اسرائيل، وأن الله أمهل بني اسرائيل ولم يعاجلهم بالعقوبة) ؟(1).
ولم يغادر الحسين (ع) المدينة المنورة حتى زار قبر جدّه رسول الله (ص) المودّع الذي لا عودة له. وقد اتجه ركب الحسين نحو مكه.(2) وفي تاريخ الطبري وغيره، أن عبد الله بن عمر التقى الحسين وابن الزبير في الطريق فقال لهما: اتقيا الله ولا تفرّقا جماعة المسلمين. ولقي الحسين أيضاً عبدالله بن مطيع، فقال له: حعلت فداك أين تريد؟ قال: (أمّا الآن فمكة، وأما بعد فاني أستخير الله) قال: خار اللّه لك، وجعلنا فداءك، فاذا أتيت مكة، فايّاك أن تقرب الكوفة فانها بلدة مشؤومة; بها قتل أبوك وخذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت تمأتي على نفسه، الزم الحرم فانك سيد العرب.
وسار الحسين حتى دخل مكة يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان وهو يقرأ: (ولمّا توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهدينى سواء السبيل) ودخل ابن الزبير مكة ولزم الكعبة، يصلي عندها عامة النهار، ويطوف ويمأتي حسيناً في من يمأتيه، ويشير عليه بالرأي وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أن أهل الحجاز لايبايعونه أبداً مادام الحسين بالبلد، وأنه أعظم في أعينهم وأنفسهم منه، وأطوع في الناس منه(3).
فمأقبل أهلها يختلفون اليه ويمأتيه المعتمرون وأهل الآفاق.(4)
سفير الحسين (ع) مسلم بن عقيل الى أهل الكوفة :
ارتمأى الحسين (ع) أن يرسل مندوباً عنه وممثلاً يوطى له الاكناف، ويهيى، له الاجواء ويعدّ له مستلزمات القيادة الميدانية في الكوفة، ويصوّر له واقع الاحداث، ويعكسها

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - مقتل الحسين لابن طاووس، ص 14.
2 - الارشاد للمفيد ص 201: ان الامام الحسين (ع) خرج ليومين بقيا من رجب سنة 60 ه.
3 - تمأريخ الطبري ج 6 ص 191.
4 - المصدر السابق.
«8»

عليه بدقة وأمانة ليقرّر الموقف المناسب، ولم يمأت اختيار مسلم بن عقيل لهذه المهمة الشاقّة اعتباطياً ومن دون حساب، بل لابد للامام الحسين (ع) من أن يختار رجلاً قادراً على تمثيله، يتّسم بالحكمة والشجاعة والنصيحة لرسوله (ص) وللامام (ع)، والامة، والاخلاص للقضية والايمان بها، فوقع اختياره على ابن عمه مسلم بن عقيل، وراح (ع) يشرح الموقف لمسلم بن عقيل، ويوضح له ماورد في الرسائل التي وردته من أهل العراق، ويطّلعه على خفايا الامور، ليكون قادراً على القيام بمهمة السفارة والتمثيل. ويتسلّح بالمعلومات والتوجيهات ما يمكّنه من تحمّل المسؤولية ومعالجة المواقف الطارئة.
وقد استجاب مسلم للمهمة الصعبة، واستمع الى نصائح الحسين (ع) وكتب معه رسالة وجهها الى اهل الكوفة، وقال: (سرّ الى أهل الكوفة، فان كان حقاً ما كتبوا به عرّفني حتى الحق بك).
انطلق مسلم بن عقيل متوجهاً من مكة الى العراق في النصف من شهر رمضان المبارك سنة (60 ه،) يصحبه دليلان يدلانه الطريق، كان الوقت صيفاً، والمسار قائضاً، والشمس محرقة، ورمال الصحراء ترسي بشررها وظمئها الركب المتكتم الزاحف نحو الكوفة، فقد استغرقت الرحلة عشرين يوماً من مكة الى الكوفة، وقد وصل الكوفة بعد مضيّ خمسة أيام من شهر شوال، بعد أن خرج في النصف من شهر رمضان، وقد مات الدليلان عطشاً من أهوال الطريق ومخاطره، بعد أن ظل الركب الطريق.(1)... وسار مرغماً هو ومن معه من رجال. واستقر مسلم قرب الماء بمنطقة تدعى المضيق من بطن الخبت(2). وفي الكوفة بدأ مسلم يجري اتصالاته: ويزاول نشاطه السياسي بهمة واخلاص، وراح يجمع القواعد الشعبية ويعبى الناس، ويمأخذ البيعة للحسين (ع) حتى تكامل لديه عدد ضخم من الجند والاعوان، وبلغ عدد من بايعه واستعد لنصرته ثمانية عشر الفاً.(3)
وقد أحسّ مسلم بصدق الدعوة وكثرة الانصار، واطممأن الى مستقبل التحرك وقدرة هذه القوة على مواجهة الاحداث، فبادر بالكتابة الى الحسين (ع)، ونقل اليه صورة حيّة للاحداث، وقوّم له الموقف وسمأله القدوم.
وفي هذه السنة عزل يزيد الوليد وولّى على الحرمين عمرو بن سعيد، وبلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين وابن الزبير وابن عمر عن البيعة، فاجتمعوا وكتبوا اليه كتاباً واحداً: أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - المصدرالسابق
2 - المصدر السابق وأنساب الاشراف للبلاذري ص 157- 158.
3 - الطبري ج6، ص221 ومثير الاحزان ص16.
«9»

فابتزّها أمرها وتآمر عليها بغير رضى منها... الخ وبعثوا بالكتاب مع رجلين فمأغذّا السير حتى قدما على الامام الحسين (ع) لعشر مضين من شهر رمضان. ثم مكثوا يومين وسرّحوا اليه ثلاثة رجال معهم نحو من ثلاث وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والا ربعة، ثم لبثو يومين آخرين، وأرسلوا رسولين وكتبوا معهما... الى الحسين بن علي من شيعته المؤمنين والمسلمين، أما بعد: فحيّ هلا فان الناس ينتظرونك ولا رأي في غيرك، فالعجل العجل والسلام عليك. وكتب اليه رؤوس من رؤساء الكوفة كتاباً ورد فيه: فمأقدم على جند لك مجنّدة والسلام عليك(1)، وفي رواية الطبري: كتب اليه أهل الكوفة: أنه معك مئة ألف.(2)
وهكذا تلاقت الرسل وتكدست الكتب عنده (ع) فمأجابهم الامام: (الى الملا من المؤمنين والمسلمين .أما بعد... قد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، وقاله جلّكم أنه ليس علينا امام، فمأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق، وقد بعثت اليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب اليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فان كتب اليّ أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً ان شاء الله فلعمري ما الامام الا العالم بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله والسلام). وأرسل اليهم مسلم بن عقيل، فمأقبل حتى دخل الكوفة، فاجتمع اليه الشيعة واستمعوا الى كتاب الحسين وهم يبكون، وبايعه ثمانية عشر ألفاً.(3)
فكتب مسلم بن عقيل الى الحسين (ع): أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الاقبال حين يمأتيك كتابي، فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى، والسلام.(4)
الانعطاف الخطير واستشهاد مسلم :
استمر تيار الانفعال الجماهيري يتدفق نحو مسلم حتى تحول الى تيار شعبي مرعب ينذر السلطة المركزية بالخطر، ولم تكن مثل هذه الانباء خافية على يزيد وعلى واليه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - راجع الكامل لابن الاثير ج4 ص21، ومقتل الحسين للمقرّم ص141 و142. وممألفاً: مقراً للاجتماع.
2 - مثير الاحزان لابن نما ص36 - 37، واللهو ص33.
3 - نفس المصدر رقم (4).
4 - راجع الارشاد ص204، والكامل في التاريخ لابن الاثير ج4، ص21.
«10»

آنذاك النعمان بن بشير قبل قدوم ابن زياد وامرته على الكوفة بمأمر من يزيد. وقد حاول النعمان معالجة الموقف بالوسائل السلمية والحدّ من تدفق التيّار، الا أنه عجز عن ذلك، ولم ترق سياسته السلمية لعملاء السلطة وعيونها، فكتب أحد خلفاء بني أمية (عبدالله بن مسلم) الى يزيد تقريراً صوّر له الاحداث وخطورة الموقف، وأشار عليه بخلع النعمان بن بشير، بعد أن وصفه بالضعف والتهاون، وطالبه بارسال عنصر أرهابي، يمكنه أن يخضع الناس بالقوة ويسحق ارادتها. ثم كتب عملاء آخرون بمثل هذا التقرير الى يزيد، كعمارة بن عقبة، وعمر بن سعد بن أبي وقاص(1). وقد انطلقت الرسل من الكوفة الى كل من الحسين (ع) ويزيد، وكلّ يستحّث قيادته وصاحبه ويسمأله المبادرة، ويناشده احتواء الموقف.
وبعد ان تسلّم يزيد الرسالة وراح يناقش الامر ويبحث عن أكثر الناس قسوة، وقدرة على التوغل في الارهاب والجريمة وأشدّهم حباً للسلطة والحصول عليها بمأي ثمن، لم يجد بعد المشاورة وتفحّص قدرات جلاوزته أفضل من عبيد الله بن زياد الذي كان وقتها والياً على البصرة، بعد الاعتماد على تشخيص مولى معاوية سرجون النصراني، الذي قال له: ان معاوية قد كتب عهداً في حياته، يعيّن فيه عبيد الله بن زياد والياً على الكوفة، وأنه يحتفظ بهذا الكتاب الذي لمّا نفذ بعد. واستبحاب يزيد على الفور لاقتراح مستشاره سرجون، فعيّن عبيد الله بن زياد وأصدر أوامره له باستعمال العنف والارهاب وعدم التواني في سفك الدماء.(2)
استلم عبيد الله بن زياد كتاب يزيد بن معاوية، فبادر في اليوم الثاني وتحرك نحو الكوفة... وراح يخترق الكوفة - بعد أن أخفى معالم شخصيته وتلثّم ولبس عمامة سوداء - والناس ترحب به وتسلّم عليه وتردد! عليك السلام ياابن بنت رسول الله، وهم يظنون ان الحسين (ع).
وهكذا سار باتجاه القصر والناس ملتفّة حوله، ضنّاً منها أنه الحسين (ع)... ثم دخل القصر وأغلق بابه وبات ليلته، وباتت الكوفة على وجل وترقّب رهيب، واذا به يفاجى الجميع ويدعو الى الصلاة جامعة فقام خطيباً في الجموع المحتشدة، وراح يمنّي المطيع والظالع في ركب السياسة القائمة بالاماني العراض ويهدد ويتوعد المعارضة والرافضين لحكومة يزيد، حتى قال: سوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - المصدر السابق.
2 - كما في مروج الذهب للمسعودي ج3، ص54.
3 - الارشاد للمفيد ص205.
«11»

ثم فرض على الحاضرين مسؤولية التجسس ورفع المعلومات والتعريف بالمعارضين، وهدد من لم يساهم في هذه العملية وينفذ هذا القرار، بالعقوبة وقطع العطاء. وبدأت الاحداث تتخذ مجرىً آخر، ولاحت بوادر النكوص والانعطاف، والاحباط تظهر على جماهير الكوفة وبعض قياداتها. وراحت السلطة تقوّي مركزها وتمسك بالعصا الغليضة وبوسائل القوه وغيرها. وبدأ موقع مسلم بن عقيل مندوب الحسين (ع) وممثله يضعف ويهتزّ فاضطرّته الاوضاع الجديدة الى أن يغيّر أسلوب عمله وموقعه، فانتقل من دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي، الى دارالزعيم الكوفي الموالي لاهل البيت هانى بن عروة، واستقر فيها متخفياً بعيداً عن أعينى السلطات والملاحقة، حتى استطاعت عناصر الاستخبارات أن تكشف المكان الذي يخبتى، فيه مسلم بن عقيل، فاستدعى هانى بن عروة باسلوب مبطّن وغير مثير، فقد بعث اليه ابن زياد يدعوه لزيارته وازالة الجفوة بينهما، وما ان دخل هانى قصر الامارة حتى وجد نفسه أمام محكمة وتهم توجه اليه، وجواسيس يشهدون عليه، أنه يوالي الامام الحسين (ع) ويعبّى المقاومة ويشترك في تنظيم صفوفها المسلّحة ويجمع المال والسلاح والانصار. ويتستر على مسلم بن عقيل ويخبّئه في داره... وأخير أصددر أمراً بسجنه وحبسه في احدى غرف القصر، ووضعه تحت حراسة مشددّة، ولما تسرّب الخبر الى القصر، تحركت مذحج (عشيرة هانى) وأخذت تطوّق القصر، فاستعمل ابن زياد أسلوب المخادعة والمراوغة معهم، فطلب من شريح القاضي أن يخرج اليهم ويهّون عليهم الموقف ويخبرهم بسلامة هانى وحسن معاملته، فتفرق الجمع، وانفضّت المقاومة.
وقد أصبحت الكوفة حينها في مرحلة صراع دموي رهيب، بعد أن راحت الاراجيف تنشر في كل مكان: أن جيشاً كثيفاً على وشك القدوم من الشام لاسناد موقع السلطة، واستئصال المعارضة، ومطاردة مسلم وأتباعه، فدبّ الخور والضعف في صفوف الثوار واستولى على الرأي العام. وكان مسلم يتابع الاحداث ويراقبها، وقد اتخذ قراراً بالزحف على قصر الامارة والاستيلاء عليه، والقضاء على حكومة عبيدالله بن زياد، فجمع رجاله وأنصاره الذين كانوا قد بايعوه وانضمّوا الى حركته ،وأطلق شعاره: يا منصور أمت، وهاجم قصر الامارة، وكانت قواته في بداية الامر تفوق قوات ابن زياد كثيراً وراح ابن زياد يسّرب الاشخاص، ويدسّهم في أوساط الناس يخذّلونهم.
مقتل مسلم بن عقيل

وما أن نشر الظلام أجنحته، وغشي الكوفة ليل واجم مترقّب، حتى لم يبق مع مسلم بن عقيل الا عشرة رجال دخلوا معه المسجد، بعد أن كانوا في بداية الانطلاق يقدرون بمأربعة الآف مقاتل. أتم مسلم صلاة المغرب، فالتفت الى ما حوله، فلم يجد أحداً يدلّه على الطريق أو يؤويه في ذلك البلد الغريب، وهكذا بقي وحيداً في مسجد الكوفة لا يعرف طريقه. فقد كان انكساراً مروّعاً وموقفاً حرجاً واجهه مسلم بن عقبل، واجهه بعزيمة لا تلين وارادة لا تقهر، فراح يسير في شوارع الكوفة، علّه يهتدي الى حلّ أو

«12»

يعرف الطريق للخروج من الكوفة، قبل ان يلقى عليه القبض. وليبلغ الحسين (ع) الذي مازال يغذّ السير، ويحثّ المسير متوجهاً نحو الكوفة ليتدارك الموقف، ويحول دون وقوع امامه في حبائل الغدر. أما ابن زياد فقد بدأ في هذه الساعات الرهيبة التحرك المضادّ، وعرف بمصير المقاومة الذي آل أمرها الى الفشل، فنادى مؤذّنه: أن برئت الذمّة من رجل من الشرطة والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلّى العتمة الا في المسجد.(1)
ثم راح يوجه خطابه الى أهل الكوفة، يهدد ويتوعد، وينذر، وقد تعرّض لمسلم بن عقيل أشدّ تعرّض. وأمر باغلاق جميع سكك الكوفة وتفتيش بيوتها بيتاً بيتاً بحثاً عن مسلم بن عقيل وشاءت الاقدار ان يطّلع ابن لامرأة كوفية من محبي آل البيت - اسمها طوعة - يطّلع على مخبمأ مسلم، ويكتشف أمره ثم سارع الى ابن زياد تحت وطمأة الخوف والطمع في الجائزة المرصودة لهذا الامر، فابلغ الخبر صباحاً،...وجاءت قوات قوامها سبعون رجلاً تطوّق الدار، وتبحث عن مسلم. استعملوا طرق عدّة لاخراج مسلم فلم يفلحوا، فراحوا يلقون عليه من السطوح النيران والحجارة، فاضطرّوه الى ترك الدار والخروج الى الطريق العام دون ان يلقي سلاحه، حتى أثخنته الجراح وكثر النزف فيه، فنادوا: لك الامان لا تقتل نفسك، فقبل مسلم نداءهم وسار معهم، وقد حمل على بغلة الى دار الامارة، ثم بدت بوادر الخيانة ونقض العهد في الطريق، فقد جرّدوه من سيفه، وأتي به الى القصر فدخل على ابن زياد، ولم يحييه بتحية الامارة، ثم وقف أمام ابن زياد كالطود الشامخ لا يهزّه هول المحنة.
المقتل الرهيب:
ودار بينهما كلام غليظ، ومشادّة عنيفة، انتهت بقول ابن زياد: انك مقتول، فمأجاب مسلم: اذن هبوني فرصة أوصي فيها وصيتي. رضخ ابن زياد لطلب مسلم، فوقع اختياره الى عمر بن سعد لحفظ الوصية، وادائها لوجود قرابة وصلة رحم بينهما، فمأوصاه بثلاث وصايا، فعاد عمر بن سعد الى مجلسه وراح يفشي نصوص الوصية ويسخر بالوصايا.
ثم امر اأن زياد شرطته ان يصعدوا بمسلم أعلى القصر، وقال لبكر بن حمران الذي كان مسلم قد جرحه جروحاً بليغة: خذ السيف واضرب عنقه، ثم الق بجسده ورأسه من أعلى القصر فانهال سيف الغدر على عنقه، واحتز حقد هذا الطاغية أوداج رقبته، وحال حد السيف بين رأسه وجسده ورمى جسده من أعلى القصر. وكان استشهاد مسلم بن عقيل وهانى بن عروة في الكوفة يوم الاربعاء التاسع من ذي الحجة سنة 60 ه، ولكل منهما الآن ضريح ومقام خالد يقصده الزائرون من كل حدب وصوب وتهفو اليه نفوس الاحرار.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - المصدر السابق، ص206.
«13»

الحسين (ع) في طريقه الى العراق:
في تاريخ الطبري: أما الامام الحسين فقد استعد بعد تسلّمه كتاب سفيره مسلم للتوجه الى العراق، ولمّا علم ابن الزبير بقصده قال له: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها...(1)
وفي يوم التروية التقيا بين الحجر والباب، فقال له ابن الزبير: ان شئت أقمت فولّيت هذا الامر أزرناك وساعدناك، ونصحناك وبايعناك. فقال له الحسين: (ان أبي حدثني أن بها كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحب أن اكون ذلك الكبش)، فقال له ابن الزبير، فاقم ان شئت وتولّيني أنا الامر فتطاع ولا تعصى، فقال: وما أريد هذا، ثم أنهما أخفيا كلامهما.(2) ثم قال الحسين (ع): (والله لان اُقتل خارجاً منها - مكة - أحبّ اليّ من أن أقتل داخلاً منها بشبر، وأيم الله لو كنت في حجر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم، ووالله ليعتدنّ عليّ كما اعتدت اليهود في السبت .(3)
لماذا اتجه الامام الحسين (ع) الى مكة:
حلّ الحسين (ع) في مهبط الوحي، ومدينة السلام مكة المكرمة، فنزل في دار عمهالعباس بن عبد المطلب، واستقر فيها ليمارس مهامّه السياسية من خلال الحصانة الشرعية لبيت الله الحرام.
وكان دخوله (ع) مكة مثيراً للدهشة، فقد استقبله المكيّون والمعتمرون من الوافدين على بيت الله الحرام، وتوافدوا عليه فرحين مرحّبين، وقد سرى نبمأ قدومه الى مكة وانتشر خبر خروجه من المدينة ورفضه لبيعة يزيد، وبدأت الوفود والرسائل تقد عليه من أرجاء شتى، وراحت تعقد الندوات السياسية، وتشرح فيها الاوضاع، وتلقى الخطب، فقد كان اختيار الحسين (ع) لمكة المكرمة، وانتقاله من المدينة يستهدف:
1 - الفات نظر الرأي العام وايقاظه وتحريكه ومراقبته واختياره ورصده عن كثب.
2 - البدء في التعبئة والاعداء وشرح أبعاد والقضية السياسية على ضوء مبادى الحكم والسياسة والادارة في الاسلام.
3 - التخطيط لقيادة الجماهير، وتحديد منطلق المواجهة من حيث المكان والزمان والحدث.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - المصدرالسابق، ص 206.
2 - راجع الارشاد للمفيد ص213، والطبري في تاريخ الامم والملوك ج4 ص278.
3 - المصدر السابق، وابن الاثير، ج 4، ص 16، وفي طبقات ابن سعد، ج 278، وتاريخ ابن عساكر، ج 664، وابن كثير 8 / 166.
«14»

4 - البدء بالمواجهة، واعلان اسقاط حكومة يزيد، واقامة الدولة الراشدة تحت قيادته (ع).
ثم طاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصّ من شعره، وأحلّ احرامه وجعلها عمرة.(1)
وفي تاريخ الطبري أيضاً، خرج الامام الحسين من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة، فاعترضه رسل الوالي من قبل يزيد، عمرو بن سعيد، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه منهم امتناعاً قويّاً...(2)
سار الحسين (ع) حتى انتهى الى الصفاح (3)ولمّا بلغ الحاجز أرسل الى أهل الكوفة بكتاب يخبرهم أنه خرج من مكّة يوم التروية متّجهاً اليهم.(4)
وصول خبر قتل مسلم وهاني بن عروة:
لمّا وصل ركب الامام الحسين (ع) الى الثعلبيّة(5)، أخبره أسديّان عن صاحبهما أنه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة، ورآهما يُجرّان في الاسواق بمأرجلهما، فقال الامام: انا لله وانا اليه راجعون رحمة الله عليهما.
وفي تاريخ الاسلام للذهبي: أرسل ابن سعد رجلاً على ناقة الى الحسين يخبره بقتل مسلم بن عقيل.
وفي الاخبار الطوال: لمّا وافى (زبالة) وافاه بها رسول محمد بن الاشعث وعمر بن سعد بما كان سمأله مسلم أن يكتب به اليه من أمره وخذلان أهل الكوفة ايّاه بعد أن بايعوه... الخ.(6)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - ارشاد المفيد، ص 201، وتاريخ ابن كثير 8 / 166.
2 - تاريخ الطبري، ج 6، ص 211 - 218.
3 - الصفاح، بين حنين وانصاب الحرم، يسرة الداخل الى مكة.
4 - الطبري، ج 6، ص 323 - 324، والاخبار الطوال للدينوري، ص 245. وكان الحاجز ببطن الرمّة بمعجم البلدان، وراجع أنساب الاشراف، ص 166.
5 - التعلبية: من منازل طريق الحاج من العراق، مثير الاحزان، ص 33، واللهوف، ص 27، وتاريخ الطبري، ج 6، ص 225، وابن الاثير، ج 4، ص 17، والدينوري، ص 247، وابن كثير، ج 8، ص 168.
6 - الدينوري في الاخبار الطوال، ص 248، وتاريخ الاسلام للذهبي، ج 2، ص 270 و 344، وزبالة منزل مشهور كان به حصن وجامع لبني أسد.
«15»

وقال الطبري وغيره: كان الحسين لا يمرّ بمأهل ماء الاّ اتّبعوه حتى انتهى الى زبالة وفيها جاءه خبر قتل ابن زياد لعبدالله بن يقطر. وكان قد سرّحه الى أهل الكوفة. فمأخرج الحسين (ع)، كتاباً فقرأه عليهم:
(بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد: فانه قد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانى بن عروة وعبدالله بن يقطر وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام، فتفرّق الناس عنه يمنياً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة... قال الراوي: فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا الماء وأكثروا، ثم سار حتى نزل ببطن العقبة.(1)
لقاء الامام الحسين (ع) الحرّ بن يزيد الرياحي:
سار الحسين حتى نزل (شراف)، فلما كان في السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فمأكثروا.(2)
وسار الحسين من شراف، فلما انتصف النهار - كبّر رجل من أصحابه، فقال له: ]ممّ كبّرت[؟ قال: رأيت النخل، فقال رجلان من بني أسد: ما بهذه الارض نخلة قطّ. فقال الحسين: ]فما هو[؟ فقالا: لا نراه الاّ هوادي الخيل، فقال: ]وأنا أيضاً أراه ذلك[، وقال لهما: ]أما لنا ملجمأ نلجمأ اليه نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد[؟ فقالا: بلى، هنا ذو حسم الى جنبك تميل اليه عن يسارك، فان سبقت اليه فهو كما تريد. فمال اليه، فما كان بمأسرع من أن طلعت الخيل وعدلوا اليهم فسبقهم الحسين الى الجبل فنزل، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحرّ بن يزيد الرياحي فوقفوا مقابل الحسين وأصحابه في نحر الظهيرة، فقال الحسين لاصحابه وفتيانه: ]اسقوا القوم وارووهم من الماء ورشفّوا الخيل ترشيفاً فسقوا القوم من الماء حتى أرووهم
قال الطبري: وكان مجيء الحرّ من القادسية، أرسله الحصّين بن نمير في هذه الالف... ولمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: اني لم أؤمر بقتالك وانّي أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة، فاذا أبيت، فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردّك الى المدينة، تكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب الى ابن زياد... فتياسر عن طريق العذيب والقادسية وبينه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الطبري، ج 6، ص 226، وانساب الاشراف، ص 168، وابن كثير، ج 8، ص 168 - 169.
2 - بين شراف والواقصة ميلان كان بها ثلاثة آبار كبار راجع تاريخ الطبري، ج 6، ص 227، وابن الاثير، ج 4، ص 9 - 2.
«16»

وبين العذيب ثمانية وثلاثون ميلاً، ثم أن الحسين سار في أصحابه والحرّ يسايره. وخطب الحسين (ع) أصحابه وأصحاب الحرّ بالبيضة، وخطب بذي حسم: حتى انتهوا الى عذيب الهجانات، وكان بها هجائن النعمان تدعى هنالك، فاذا هم بمأربعة نفر قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم... فلمّا انتهوا الى الحسين (ع) أنشدوه هذه الابيات وكان دليلهم الطرمّاح بن عديّ على فرسه وهو يقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري ----- وشمّري قبل طلوع الفجر

بخير ركبان وخير سفر ----- حتى تحلي بكريم النجر

الماجد الحرّ رحيب الصدر ----- أتى به الله لخير أمر

فقال الحسين (ع): أما والله اني لارجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قتلنا أم ظفرنا. والقول للطبري: عن عقبة بن سمعان قال: لمّا كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء ثم أمرنا بالرحيل ففعلنا. قال: فلمّا ارتحلنا من قصر بني مقاتل وسرنا ساعة خفق الحسين برأسه خفقة ثم انتبه، وهو يقول: ]انا الله وانا اليه راجعون، والحمدلله ربّ العالمين[. قال: ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثاً، قال: فمأقبل اليه ابنه عليّ بن الحسين على فرس له، فقال: ]يا أبت جُعلت فداك ممّ حمدت الله واسترجعت[؟ قال: ]يا بُنيّ انّي خفقت برأسي خفقة، فعنّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري اليهم، فعلمت أنها أنفسنا نُعيت الينا، قال له: ]يا أبت، لا أراك الله سوءاً ألسنا على الحق[؟! قال: ]بلى والذي اليه مرجع العباد[. قال: ]اذن لانبالي، نموت محقّين[، فقال له: ]جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده[.(1)
آثار التحرّك ونتائجه:
وكان من آثار هذا التحرّك والثورة الحسينية المباركة أن دبّت روح الثورة في العراق مركز الولاء لاهل البيت (ع) آنذاك، فقد اجتمع زعماء المعارضة من أنصار الامام الحسين (ع) في الكوفة في بيت سليمان بن صرد الخزاعي، استعرضوا الاوضاع السياسية والاجتماعية، وموت معاوية وانتقال السلطة الى يزيد، وتباحثوا في مشروع الحسين (ع) وتحرّكه وانتقاله الى مكة، ورفضه لخلافة يزيد وقرّروا نصرته، والانضواء تحت قيادته وامامته، واعلان الولاء له ومكاتبته، وبلغت أخبار الحركة الحسينية البصرة، وهي احدى معاقل العمل والتحرك السياسي، والحاضرة الاسلامية الكبرى بعد الكوفة آنذاك، وفيها زعماء للمعارضة، ورأي عام مواجه للحكم الاموي، ممّا عانته هذه المدينة أيام معاوية من القساوة والشدة، فعُقد اجتماع في بيت احدى النساء العاملات

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تاريخ الطبري، ج 6، ص 227، وابن الاثير، ج 4، ص 9 - 21، والاخبار الطوال، ص 248 253، وانساب الاشراف 169 - 176، والارشاد وللمفيد، ص 205 -210، واعلام الورى ، ص 229 - 231.
«17»

في حقل السياسة، وهي (عارية) والتي كانت توالي أهل البيت، وقرّروا نصرة الحسين (ع) والبيعة له، وكاتبته بذلك، كما قال ابن الاثير: واجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها ماريّة بنت سعدة، وكانت تتشيع، وكان منزلها لهم ممألفاً.(1)
نزول ركب آل الرسول (ص) أرض كربلاء:
قال أبو مخنف:... فلمّا أصبح نزل فصلّى الغداة ثم عجّل الركوب فمأخذ يتياسر بمأصحابه يريد أن يفرّقهم فيمأتيه الحرّ بن يزيد فيردّهم فيردّه، فجعل اذا ردّهم الى الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه، فارتفعوا فلم يزالوا يتسايرون حتى انتهوا الى نينوى، المكان الذي نزل به الحسين.
وأخذ الحرّ بن يزيد القوم بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية - يعنون نينوى - أو هذه القرية - يعنون الغاضرية - أو هذه الاخرى - يعنون شفية - فقال: ]لا والله ما أستطيع ذلك[. فقال زهير بن القين الى الحسين (ع): فهاهنا قرية بالقرب منّا على شط الفرات، وهي في عاقول.(2) حصينة، الفرات يحدق بها الاّ من وجه واحد، قال الحسين (ع): ]وما اسم تلك القرية[؟ قال: العقر، قال الحسين: ]نعوذ بالله من العقر[.(3) قال الحسين (ع) للحرّ: سربنا قليلاً ثم ننزل، فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحرّ وأصحاب الامام الحسين (ع)، ومنعوهم من المسير، وقال: انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب.
قال الحسين: ]وما اسم هذا المكان[؟(4) قالوا له: كربلاء. قال: ]ذات كرب و بلاء، ولقد مرّ أبي بهذا المكان عند مسيره الى صفّين، وأنا معه، فوقف، فسمأل عنه، فمأخبر باسمه، فقال: ثقل لآل البيت محمد (ص) ينزلون هاهنا، وقبض قبضة فشمّها، وقال: ]هذه والله هي الارض التيأخبر بها جبرئيل رسول الله (ص) أنني أقتل فبها[.(5)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - راجع الكامل لابن الاثير، ج 4، ص 21، مقتل الحسين للمقرم، ص 141 و 142، وممألفاً: مقراً للاجتماع.
2 - عاقول: الوادي ما أعوج منه، والارض العاقدل التي لا يهتدي اليها.
3 - العقر: مكان قرب كربلاء من نواحي الكوفة.
4 - روى هذه المحاورة الدينوري في الاخبار الطوال، ص 252 - 253، وراجع تاريخ الخميس، ج 2، ص 297، ومجمع الزوائد، ج 9، ص 192.
5 - المصدر السابق وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص، ص 142.
«18»

قال المؤرّخون: ثم أمر بمأثقاله فحُطّت بذلك المكان يوم الاربعاء غرّة محرّم سنة 61 ه، أو يوم الخميس الثاني من المحرّم.(1)
قدوم عمر بن سعد على الحسين والمكاتبات بينهما:
قال الطبري وغيره، واللفظ للطبري: فلمّا كان من الغد، قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقّاص من الكوفة في أربعة آلاف.
روى الطبري وقال: فمأقبل عمر بن سعد الى ابن زياد، فقال أصلحك الله، انّك ولّيتني هذا العمل - مناجزة الحسين - وكتبت لي العهد وسمع به الناس. فان رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل، وابعث الى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لست بمأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه، فسمّى له أنساً فقال له ابن زياد: لا تعلّمني بمأشراف أهل الكوفة، ولست أستمأمرك فيمن أريد أن أبعث، ان سرت بجندنا والاّ فابعث بعهدنا، فلمّا رآه قد لجّ، قال: فانّي سائر، قال: فمأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين من الغد من يوم نزل الحسين نينوى.
قال: فبعث عمر بن سعد الى الحسين (ع) عزرة بن قيس الاحمسي، فقال ائته فسله ما الذي جاء به؟ وماذا يريد؟ وكان عزرة ممّن كتب الى الحسين، فاستحيا منه أن يمأتيه، قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه، فكلّهم أبى وكره، قال: وقام اليه كثير بن عبدالله الشعبي وكان فارساً شجاعاً ليس يردّ وجهه شيىء فقال: أنا أذهب اليه... فدعا عمر قرّة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك يا قرّة الق حسيناً، فسله ما جاء به وماذا يريد؟ قال: فمأتاه قرّة بن قيس، فلما رآه الحسين مقبلاً قال: ]اتعرفون هذا[؟ فقال حبيب بن مظاهر: نعم هذا رجل من حنظلة تميمي، وهو ابن اختنا، ولقد كنت أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، قال: فجاء حتى سلّم على الحسين، وأبلغه رسالة عمر بن سعد اليه، فقال له الحسين (ع): ]كتب اليّ أهل مصركم هذا أن اقدم فمأمّا اذا كرهوني فمأنا أنصرف عنهم. فانصرف الى عمر بن سعد فمأخبره الخبر. فقال له عمر بن سعد: انّي لارجو أن يعافيني الله من حربه و قتاله.
قال: كتب عمر بن سعد الى عبيد الله بن زياد: أمّا بعد فاني حيث نزلت بالحسين بعثت اليه رسولي فسمألته عمّا أقامه وماذا يطلب ويسمأل. فقال: كتب اليّ أهل هذه البلاد أتتني رسلهم فسمألوني القدوم، ففعلت، فمأمّا اذا كرهوني فبدا لهم غيرما أتتني به رسلهم فمأنا منصرف عنهم. فلمّا قرى الكتاب على ابن زياد قال:
الآن اذ علقت مخالبنابه ----- يرجو النجاة ولات حين مناص

وكتب الى عمر بن سعد: أمّا بعد فقد بلغني كتابك وفهمت ما ذكرت، فمأعرض على

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الاخبار الطوال، ص 253، والطبري، ج 6، ص 232، وابن كثير، ج 8، ص 174، وانساب الاشراف للبلاذري، ص 176، والارشاد للمفيد، ص 210.
«19»

الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فاذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام.
وروى البلاذري في أنساب الاشراف وقال: لما سرّح ابن زياد عمر بن سعد. أمر الناس فعسكروا بالنخيلة، وأمر أن لا يتخلّف أحد منهم، ثم خرج ابن زياد فعسكر، وبعث الى الحصين بن تميم، وكان بالقادسية في أربعة الآف، فقدم النخيلة في جميع من معه، ثم دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي، ومحمد بن الاشعث بن قيس، وأسماء بن خارجة الفزاري، وقال: طوّقوا في الناس فمروهم بالطاعة والاستقامة، وخوّفوهم عواقب الامور والفتنة والمعصية، وحثوّهم على العسكرة، ووجّه أيضاً حجّار بن أبجر العجلي في ألف، وتمارض شبث بن ربعي، فبعث اليه فدعاه، وعزم عليه أن يشخص الى الحسين في ألف ففعل وغيره، ثم جعل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين الى المئة، غدوة وضحوة ونصف النهار وعشيّة، من النخيلة، ويمّد بهم عمر بن سعد. ذكر ابن نما في مثير الاحزان: ان عددهم بلغ لست خلون من المحرم عشرين ألفاً.(1)
منع الماء عن عترة الرسول (ص):
روى الطبري عن حميد بن مسلم الازدي قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب الى عمر بن سعد: أما بعد فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء ولا يذوقوا منه قطرة، قال: فبعث عمر بن سعد عمرو بن الحجّاج الزبيدي على خمسمئة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين حسين وأصحابه، وبين الماء أن يسقوا منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث; وروي عن أبي مخنف عن رجاله: انهما كانا التقيا مراراً ثلاثاً أو أربعاً، حسين و عمر بن سعد، قال: فكتب عمر بن سعد الى عبيد الله بن زياد: أمّا بعد فان الله قد أطفمأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الامّة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع الى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيّره الى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يمأتي يزيد أميرالمؤمنين، فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه.
فلمّا قرأ عبيدالله الكتاب قال: هذا كتاب رجل ناصح لاميره مشفق على قومه، نعم قد قبلت. فقام اليه شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه، وقد نزل بمأرضك الى جنبك؟ والله لئن رحل من بلدك، ولم يضع يده في يدك، ليكوننّ أولى بالقوة والعزّ، ولتكوننّ أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة... ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فان عاقبت فمأنت وليّ العقوبة. فقال له ابن زياد: نعم ما رأيت، الرأي رأيك.
ثم أن عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي الجوشن فقال له: أخرج بهذا الكتاب الى عمر بن سعد، فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فان فعلوا فليبعث بهم اليّ

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - مثير الاحزان لابن نما، ص 36 - 37، واللهوف، ص 33.
«20»

سلماً، وان هم أبوا فليقاتلهم، فان فعل فاسمع له وأطع، وان هو أبى فقاتلهم، فمأنت أمير الناس، وثب عليه فاضرب عنقه وابعث اليّ برأسه. ثم كتب عبيد الله بن زياد الى عمر بن سعد هذا الكتاب: أمّا بعد فاني لم أبعثك الى حسين لتكفّ عنه و لا لتطاوله ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شافعاً. أنظر فان نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم اليّ سلماً، وان أبوا فازحف عليهم حتى تقتلهم: وتمثل بهم، فانهم لذلك مستحقّون، فان قتل حسين فمأوطى الخيل صدره وظهره... وان أنت مضيت لامرنا فيه، جزنياك جزاء السامع المطيع، وان أييت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فانّا قد أمرناه بمأمرنا والسلام.
قال: فمأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد الى ابن سعد، فلما قدم به عليه، فقرأه، قال له عمر: مالك! ويلك لاقرّب الله دارك، وقبّح الله ما قدمت به عليّ، والله اني لاضنّك أنت ثنيته أن يقبل ما كتبت به اليه، أفسدت علينا أمراً كنّا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله حسين، ان نفساً أبيّة (أو نفس أبية) بين جنبيه، فقال له شمر: أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لامر أميري وتقتل عدوّه؟ والاّ فخلِّ بيني وبين الجند والعسكر. قال: لا ولا كرامة لك، وأنا أتولّى ذلك، قال: فدونك وكن أنت على الرجال.(1)
محاولات صرفه (ع) عن السفر:
عند خروجه من المدينة (ع) ومن ثم الى مكة، سمأله جماعة من أهل بيته وغيرهم التريّث في هذا السفر، حتى يستبين له حال الناس خوفاً من غدر الكوفيين وانقلاب الامر عليه، ولكن أبا الاحرار لم تسعه المصارحة بما عنده من العلم بمصير أمره لكل من قابله، لان الحقائق كما هي لا تفاض لايه متطلّب بعد تفاوت المراتب واختلاف الاوعية، سعة وضيقاً، فكان (ع) يجيب كل واحد بما يسعه ظرفه ومعرفته، فمثلاً:
يقول لابن الزبير: ]ان أبي حدّثني أن بمكة كبشاً به تستحّل حرمتها، فما أحبّ أن أكون ذلك الكبش، ولئن أقتل خارجاً منها بشبر، أحبّ اليّ من أن أقتل فيها.[(2) ولما خرج من عنده ابن الزبير قال (ع) لمن حضر عنده: ]ان هذا ليس شيء من الدنيا أحبّ اليه من أن يخرج من الحجاز، وقد علم أن الناس لا يعدلونه بي، فودّ أنّي خرجت حتى يخلو له[.(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - نفس المصدر، رقم 44.
2 - تاريخ مكة للازرقي، ج 2، ص 150.
3 - الكامل لابن الاثير، ج 4، ص 16.
«21»

وأتاه محمد بن الحنفية في الليلة التي سار الحسين في صبيحتها الى العراق، وقال: عرفت غدر أهل الكوفة بمأبيك وأخيك، وانّي أخاف أن يكون حالك حال من مضى، فمأقم هنا فانّك أعزّ من في الحرم، وأمنعه، فقال الحسين، ]لاخاف أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم، فمأكون الذي تُستباح به حرمة هذا البيت[. فمأشار عليه ابن الحنفية بالذهاب الى اليمن أو بعض نواحي البر، فوعده أبو عبدالله في النظر في هذا الرأي. وفي سحر تلك الليلة ارتحل الحسين (ع) فمأتاه ابن الحنفية، وأخذ بزمام ناقته وقد ركبها، وقال: ألم تعدني النظر فيما سمألتك؟ قال: ]بلى، ولكن بعدما فارقتك أتاني رسول الله (ص) وقال: يا حسين أخرج فان الله تعالى شاء أن يراك قتيلاً[، فاسترجع (محمد بن الحنفية) وحين لم يعرف الوجه في حمل العيال معه وهو على مثل هذا الحال، قال له الحسين (ع): ]قد شاء الله تعالى أن يراهنّ سبايا[.(1) وكتب اليه عبدالله بن جعفر الطيّار مع ابنيه عون و محمد: أما بعد، فانّي أسمألك الله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا، فانّي مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك، واستئصال أهل بيتك، ان هلكت اليوم أطفى نور الارض، فانك علم المهتدين، وجار المؤمنين، فلا تعجل بالسير، فانّي في أثر كتابي. والسلام. ثم أخذ عبدالله كتاباً من عامل يزيد على مكة عمرو بن سعيد بن العاص فيه أمان للحسين وجاء به الى الحسين، ومعه يحيى بن سعيد بن العاص، وجهد أن يصرف الحسين عن الوجه الذي أراده فلم يقبل أبو عبدالله (ع) وعرّفه أنه رأى رسول الله في المنام، وأمره بمأمر لابدّ من انفاذه، فسمأله عن الرؤيا، فقال: ]ما حدّثت بها أحداً وما أنا محدث بها حتى ألقى ربّي عزّ وجلّ.[(2)
وقال له ابن عباس: يا ابن العم اني اتصبّر وما أصبر، وأتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، ان أهل العراق قوم غدر، فلا تقربنّهم! أقم في هذا البلد فانك سيد أهل الحجاز وأهل العراق ان كانوا يريدونك كما زعموا، فلينفوا عاملهم وعدوّهم، ثم أقدم عليهم، فان أبيت الاّ أن تخرج فسر الى اليمن فان بها صوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة، ولابيك فيها شيعة وأنت عن الناس في عزلة، فتكتب الى الناس وترسل، وتبثّ دعاتك، فاني أرجو أن يمأتيك عند ذلك الذي تحبّ في عافية.
فقال الحسين (ع) ]يا ابن العم اني والله لاعلم أنك ناصح مشفق، وقد أزمعت على المسير[. فقال ابن عباس: ان كنت سائراً، فلا تسر بنسائك وصبيتك، فاني لخائف ان تقتل، وهم ينظرون اليك، فقال الحسين (ع): ]والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فاذا فلعوا ذلك، سلّط الله عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من (مزام

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - البحار، ج 1، ص 184.
2 - تاريخ الطبري، ج 6، ص 219، والكامل، ج 4، ص 17، والبداية والنهاية لابن كثير، ج 6، ص 163.
«22»

المرأة)[.(1)
الشكوك التي أحاطت بحركة الحسين (ع):
لما توجّه الامام (ع) من المدينة الى مكة ومن ثم الى الكوفة، والتي تعتبر بنظر الامويّين، قاعدة مهمّة للمعارضة الشيعية الموتورة من حكمهم، ما كانت تثنيه العراقيل التي وضعت في طريقه، ولم تثبّطه الاحتمالات، بل سار (ع) يسوقه الواجب الالهي المفروض عليه، لكونه اماماً للامّة، ويجب عليه القيام بتلبية ندائها، لاتمام الحجّة الظاهرة.
وأما المصير الغيبي المجهول الذي كان بانتظاره، فكان يعلمه ويتشوّق اليه بمنتهى الايمان بالله وقدره، وليس هذا فقط; بل كان هناك من سمع جدّه النبي (ص) يتحدّث عن كربلاء، أو شاهده، وشاهد أباه عليّاً (ع)، وهما يشمّان تربته ويتناولانها، ويتعاطينها، ويستودعانها.
كان (ع) يعلم بما تؤول اليه نهضته المباركة، وكان هذا المصير، هو الدافع والقدر الالهي الذي دفعه الى ذلك بكل ثبات.
وغريبٌ أمر بعض ممن ينظرون الى الموقف من زاوية المظاهر الحاضرة، ويحذفون من حساباتهم الامور غير المنظورة، ويريدون أن يلقوا الكثير من علامات الاستفهام على حركته (ع)، وخروجه الى العراق ونهضته على أساس أنه امام عالم بالمصير، بل لابدّ أن يعرف كل شيء من خلال الغيب! فكيف يقدم على ما أقدم عليه وهو عالمٌ بما يحدث؟!.
والجواب، ان الامام الحسين (ع) لو عمل طبقاً لما يعلمه من أنباء الغيب التي علّمها ايّاه جدّه رسول الله (ص)، لعاب عليه كل من يسمع الاخبار ويرى مجريات الامور، ويقرأ التاريخ.
انه ترك دعوة الامّة له في التظاهر بالولاء ليزيد، والطاعة له، والمضيّ سرّاً في الوقوف بوجه حكّام الجور، واستئصال شمأفتهم، وذلك من خلال آلاف الكتب والعهود التي وصلته منهم، استناداً الى احتمالات الخيانة والتخاذل، التي لم تظهر بوادرها الاّ بالتخمين، حسب ماضي أهل الكوفة، وسيرتهم مع أبيه الامام علي (ع)، وأخيه الامام الحسن (ع).
فلو أطاع الامام (ع) أولئك الناصحين له بعدم الخروج، لكان مطيعاً لمن لم تجب عليه طاعتهم، وتاركاً لنجدة من تجب عليه نجدتهم.
ورغم كل ذلك، فان الواجب الالهي المحتّم عليه، يحدّد مسيرته ويرسم له الخطط للقيام بمأمر الامّة، فاذا تمّت الحجّة بوجود الناصر، كان هذا دافعه الاول والاساس على

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الكامل، ج 6، ص 16.
«23»

الاقدام، دون الاحجام على أساس الاحتمالات والتوقّعات الظاهرية.
ومن نافلة القول: ان الذين لديهم مكانة اجتماعية مرموقة، ويرون في أنفسهم المؤهّلات، والامكانيات التي يمكن أن تدفعهم نحو الزعامة والقيادة، كثيراً ما يتّخذون سلوكاً ملتوياً، وهو مسايرة السلطة القائمة، وغضّ الطرف عن زلاّت وعبث الحكم القائم، ومحاباته، واظهار الليونة والتسلّل خلسة، ومن ثم التسلّق الى المراكز الحساسة في السلطة، ليتحيّنوا الفرصة المناسبة التي تسمح لهم بالانقضاض على سدّة الحكم وقيادة المجتمع - وبشهادة التاريخ -، لو أن الامام الحسين (ع) كان قد حابى الحكّام الامويّين في بداية الامر، لما كانوا يتركونه فحسب، بل كانوا مستعدّين لمنحه منصباً ومقاماً رفيعاً لسكوته، واعراضه عما يجري.
ولو كان الامام (ع) طالباً للرئاسة والحكم، سواء عن طريق التدرّج في المناصب، أو عن طريق الثورة، لكان عليه أن يسالم الحكّام أولاً، لا أن يعبّر عن رفضه أمام الملا، وبثبات وصلابة، رغم تحذيرات محبّيه، والكثير من الوجوه المعروفة آنذاك له بضرورة مبايعة يزيد، وتجنّب اراقة الدماء. ولو كان الدافع الحقيقي للامام (ع) هو طلب الحكم والرئاسة فماذا يعني المكوث في كربلاء وابداء التصلّب أزاء مختلف المقترمات التي قدّمت له؟! ولو كان أصحاب الحسين (ع) قد جاؤوا من أجل حياة أفضل، ومن أجل نيل الحكم، فلماذا التحق زهير بن القين بركب الامام (ع)، في الوقت الذي كان كارهاً للقائه اذ كان عثمانيّ الهوى؟! ولماذا لم يتركه (ع) الانصار الذين صحبوه الى كربلاء ليلة عاشوراء، بعد أن شاهدوا الموت بمأم أعينهم؟.
ان مصيبة الامام الحسين (ع) تكمن في ارتقاء منبر رسول الله (ص) من لم يكن يؤمن به. ان مصيبة الامام (ع) تكمن في تفشّي المنكر والظلم، وضياع شريعة جدّه رسول الله (ص). ان وصيبة الامام (ع) تتمثّل في أن المقدسات الاسلامية قد سحقت، وقد اكتسبت الممارسات الوضيعة صفةً قانونية، وباتت أمراً طبيعياً ممألوفاً لدى الحكّام الامويّين والمتزلّفين وأتباعهم، ولم تلق أيّة معارضة تذكر من الكثير من صحابة رسول الله (ص) لدواع كثيرة.
ان الحسين (ع)، لم يمض طالباً الكوفة، الاّ بعد توثّق من القوم، وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه طائعين غير مكرهين، ومبتدئين غير مجيبين. وقد كانت المكاتبات تردّه من وجوه أهل الكوفة وأشرافها كما أسلفنا، ومن قرّائها أيضاً، وقد وردته أيام حكم معاوية، وبعد الصلح الذي جرى بينه وبين الامام الحسن (ع)، وكذلك بعد وفاة الامام الحسن (ع).
ويمكن لنا في هذا المجال ازاحة الستار عن العوامل المهمة التي أدت بمجتمع الكوفة الى انحلال الروابط، وازدياد الفتن وتقلّب الآراء، وتباين الاتّجاهات، وايقاع سفير الامام الحسين (ع) في الفخ بعد الوعود المعسولة له وللامام (ع)، فنقول: ان الكوفة لم تكن شيعيّة محضة، ولم تكن نزعتها العامة نزعة علوية، فهي مركز لتجمّع جميع القوميات والشرائح الاجتماعية، فيها بقية الفرس الذين زال ملكهم عن العراق، والنبط الذين كانوا

«24»

تحت سيطرة الفرس، فضلاً عن اليهود والصابئة والنصارى. والامر الذي لا شكّ فيه ولاغبار عليه ولا خلاف حوله، هو أن الوضع في الكوفة يتّسم بالقبلية العشائرية، كما قال شوقي منيف في كتابه:... وتمضي الحياة في الكوفة قبليّة، كما بدأ فيها الاحساس بالقبليّة، وفيها غلبت روح القبليّ على كل شيء، ومن هنا غلب على الحياة فيها طابع الجاهلية.(1)
وكما قلنا فان نزعتها لم تكن علوية صرفة، وان ذلك الاطلاق في التسمية جاء متمأخّراً عن ذلك العصر، يوم اشتدّ الصراع العقائدي بين المذاهب، واستطاعت السياسة أن تفصل الشيعة عن المجتمع الاسلامي، وسار بعض علماء الحديث، والفقهاء في ركاب الدولة، فمنعوا قبول رواية الشيعيّ، لانه متبدع - كما يقولون - وقسّموا الشيعي الى معتدل، ومخترق ورافضيّ.(2)
وكان الحاح أهل الكوفة على الحسين (ع) بالقدوم اليهم، هو غاية مايصبو اليه ذلك البلد، وكانت قد لاحت في الافق علائم النصر على الامويّين اثر ورود كتاب سفير الامام الحسين (ع) ورائده مسلم بن عقيل (ع)، فضلاً عن كتبهم ورسلهم، ولم يبلغه (ع) خلاف نشمأ في الكوفة، وكما قلنا حينما شاع نبمأ عزم الحسين (ع) على الخروج الى العراق; اهتمّ يزيد لذلك الامر، فاتّخذ شتّى الوسائل للحيلولة دون وصول ركبه (ع) الى الكوفة. فمأ خذ يراسل جماعة من أعيان الصحابة لعرض وجهة نظرهم على الحسين (ع) في خروجه الى العراق، ومنعه عن ذلك، فكتب ]يزيد[ الى ابن عباس كتاباً فيه: وجاءه ]أي الحسين (ع)[ رجال من أهل هذا المشرق فمنّوه الخلافة، وعندك منهم خبرة وتجربة، فان كان فعل، فقد قطع أواشج القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور اليهم، فاكففه عن السعي في الفرقة... الخ.(3)
الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب ((ع)):
الشهادة:
ليلة العاشر من المحرم الحرام 61هـ:
عشية يوم الخميس لتسع مضين من المحرّم وقف عمر بن سعد ونادى: يا خيل الله اركبي وأبشري. فركب هو في الناس ثمّ زحف نحو معسكر الحسين ((ع)) بعد صلاة العصر، وحسين جالس أمام خيمته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبته، وسمعت

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - التصوّر والتجديد في الشعر الاموي لشوقي منيف: 80 - 81.
2 - مع الحسين في نهضة لاسد حيدر، ص 139.
3 - تاريخ ابن عساكر، ج 4، ص 221.
«25»

أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها وقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين رأسه فقال:
]إني رأيت رسول الله ((ص)) في المنام فقال لي: إنّك تروح إلينا[، فلطمت أخته وجهها وقالت: يا ويلتا، فقال،]ليس لك الويل يا أخيّة اسكني رحمك الرحمن[، وقال العبّاس بن عليّ : ]يا أخي أتاك القوم[، فنهض، ثم قال: ]يا عبّاس، إركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم، فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم[. فأتاهم العبّاس فاستقبهلم في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العبّاس: ]مابدا لكم وما تريدون[؟ قالوا جاء أمر الأمير بأن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه، أو ننازلكم. قال:]فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبدالله فأعرض عليه ما ذكرتم[، فوقفوا. وقد خاطب كلّ من حبيب وزهير أهل الكوفة ونصحاهم فلم ينفعهم ذلك، وأتى العبّاس بن عليّ حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد، فقال له: ]إرجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وتدفعهم عنّا العشّية لعلّنا نصلّي لربّنا وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني أحبّ الصلاة. فأقبل العبّاس حتى انتهى إليهم فقال: ]يا هؤلاء، إن أبا عبدالله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشّية حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا أمر يجر بينكم وبينه فيه كلام، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله[، فلمّا أتاهم العبّاس بن عليّ بذلك قال عمر بن سعد: ماترى يا شمر؟ قال: ماترى أنت؟ أنت الأمير والرأي رأيك، قال: قد أردت أن لا أكون، ثم أقبل عمر على الناس فقال ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان الله! والله لوكانوا من الديلم ثم سألوك هذه المسألة، لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها، وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنّك بالقتال غدوة، فقال عمر بن سعد: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخّرتهم العشيّة



الحسين ((ع)) يستخبر أصحابه

روي عن عليّ بن الحسين ((ع)) قال: ]جمع الحسين أصحابه بعدما رجع عمر بن سعد، وذلك قرب المساء، فدنوت منه لأسمع، وأنا مريض فسمعت أبي وهو يقول لأصحابه: أثني على الله تبارك أحسن الثناء... أما بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي جميعاً خيراً، ألا وإني أظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً، ألا وإني قد رأيت لكم ،فانطلقوا جميعاً في حلّ يليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جم، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي، ثم تفرّقوا في سوادكم ومدائنكم، حتى يفرّج الله، فإن القوم إنما يطلبونني، ولو قد أصابوني لَهَوا عن طلب غيري، فقال له أخوته وأبناؤه وبنو أخيه، وابنا عبدالله بن جعفر: لِمَ نفعل؟ لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً، بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ ثم أنهم تكلّموا بهذا ونحوه..... فقام اليه مسلم بن عوسجة الأسدي، فقال: أنحن نخلّي عنك؟ وبما نعتذر إلى الله في أداء حقّك؟ أما والله حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ولا أفارقك، ولو لم يكن معي سلاح

«26»

أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك، حتى أموت معك، وقال سعد بن عبدالله الحنفيّ: والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أن قد حفظنا غيبة رسول الله ((ص)) فيك، والله لو علمت أني أقتل، ثم أحيا، ثم أحرق حيّاً، ثم أذرّ، يفعل ذلك، بي سبعين مرة، مافارقتك حتى ألقى حمامي دونك.... وقال زهير بن القين: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، حتى أقتل كذا ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتية، من أهل بيتك، وتكلّم أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك ولتكن أنفسنا لك الفداء[(1)
الحسين ينعى نفسه ويوصي أخته بالصبر:
روى الطبري عن عليّ بن الحسين بن عليّ((ع))، قال:]إني جالس في تلك العشيّة التي قُتل أبي صبيحتها، وعمّتي زينب عندي تمرّضي، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حويّ(جون) مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلحه، وأبي يقول:
يادهر أفٍّ لك من خليل ----- كم لك بالإشراق والأصيل

من صاحب أو طالب قتيل ----- والدهر لا يقنع بالبديل

وإنما الأمر إلى الجليل ----- وكلّ حيّ سالك السبيل[
قال: ]فأعادها مرّتين أو ثلاثاً حتى فهمتها فعرفت ما أراد، فختقتني عبرتي فرددت دمعي ولزمت السكوت فعلمت أن البلاء قد نزل، فأما عمّتي فإنها سمعت ما سمعت - وهي امرأة وفي النساء الرقّة - فلم تملك نفسها أن وثبت تجرّ ثوبها، وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: واثكلاه! ليت الموت أعدمني الحياة! اليوم ماتت فاطمة أمّي!! وعليّ أبي، وحسن أخي، يا خليفة الماضين وثمال الباقين، فنظر الحسين ((ع)) إليها فقال: يا أخيّة، لا يذهبنّ بحلمك الشيطان، قالت بأبي أنت وأمي، يا أبا عبدالله استقتلت! نفسي يفداك فردّ غصّته وترقرقت عيناه، وقال: لو تُرك القطا لي لنام.... وقال تعزّي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلاّ وجه الله.... أبي خير منّي، وأمي خير منّي وأخي خير منّي، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله ((ص)) أسوة[.
النفير العام في جيش ابن زياد

في مقتل العوالم: فخرج الشمر في أربعة آلاف، ويزيد بن الركاب في ألفين، والحصين بن نمير التميمي في أربعة آلاف، وشبث بن ربعي في ألف، وكعب بن طلحة في ثلاثة آلاف، وحجّار بن أبجر في ألف، ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن حرشة في ألفين، فتكامل عند ابن سعد لستّ خلون من المحرّم عشرون ألفاً، ولم يزل ابن زياد

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - مثيرالاحزان لابن نما، ص36-37، واللهوف، ص33.
«27»

يرسل العساكر إلى ابن سعد حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاً.(1)
وكتب ابن زياد إلى ابن سعد: إني لم أجعل لك علّة في كثرة الخيل، فانظر: لا تمسي ولا تصبح إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشيّة، وكان يستحثّه على الحرب لست خلون من المحرّم.(2)
معنويات أنصار الحسين((ع)) في ليلة عاشوراء

كانت ليلة عاشوراء أشدّ ليلة مرت على أهل بيت النبوة، حُفّت بالمكاره والمحن وأعقبت الشرّ وآذنت بالخطر، وقد قطعت عنهم الحالة القاسية من بني أمية وأتباعهم كل الوسائل الحيوية.
تمازح برير عبدالرحمن الأنصاري، فقال له عبدالرحمن: ما هذه ساعة باطل! فقال برير: يلقد علم قومي ما أحببت الباطل كه، ولا شابّاً، ولكنّي مستبشر بما نحن لاقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلاّ أن يميل هؤلاء بأسيافهم، ولوددتُ أنّهم مالوا علينا الساعة.(3)
وخرج حبيب بن مظاهر يضحك، فقال له يزيد بن الحصين الهمداني، ماهذه ساعة ضحك! قال حبيب: وأيّ موضع أحقّ بالسرور من هذا؟ ما هو إلاّ أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم فنعانق الحور.(4)
ويقال: إنه في هذه الليلة انضاف إلى أصحاب الحسين((ع)) من عسكر ابن سعد اثنان يوثلاثون رج.(5)
وخرج (الحسين) عليه السلام في جوف الليل إلى خارج الخيام، يتفقّد التلاع والعقبات، فتبعه نافع بن هلال الجملي، فسأل الحسين عمّا أخرجه، قال: يا ابن رسول الله أفزعني خروجك إلى جهة معسكر هذا الطاغي، فقال الحسين: ]إني خرجت أتفقّد التلاع

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الكامل: ج4، ص16.}
2 -البدء والتاريخ: ج6، ص10، وابن شهرآشوب ج2، ص215، وابن نما، واللهوف.
3 -الطبري ج6، ص241.
4 -رجال الكشيّ ص53، ط الهند.
5 -اللهوف، وتاريخ اليعقوبي ج2، ص217، ط النجف، وسِيَر أعلام النبلاء للذهبي ج3، ص210.
«28»

والروابي، مخافة أن تكون مكمناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون[، ثم رجع ((ع)) وهو قابض على يد نافع ويقول:]هي هي والله وعد لا خلف فيه[، ثم قال:]ألا تسلك بين هذين الجبلين في جوف الليل، وتنجو بنفسك[؟ فوقع نافع على قدميه يقبّلهما ويقول: ثكلتني أميّ، إن سيفي بألف، وفرسي مثله، فوالله الذي منّ بك عليّ لا فارقتك حتى يكلاّ عن كرّي وجريي.
ثم دخل الحسين خيمة زينب((ع)) ووقف نافع بإزاء الخيمة ينتظره، فسمع زينب تقول له: ]هل استعملت من أصحابك نيّاتهم؟ فإنّي أخشى أن يسلموك عند الوثبة[، فقال لها: ]والله لقد بلوتهم فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني استيناس الطفل إلى محالب أمّه[.
قال نافع: فلما سمعتُ هذا منه بكيتُ وأتيت حبيب بن مظاهر، وحكيت له ما سمعت منه ومن أخته زينب. قال حبيب: والله لولا انتظار أمره لعاجلتهم بسيفي هذه الليلة، قلت: إني خلفته عند أخته، وأظن النساء أفقن وشاركنها في الحسرة، فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهوهنّ بكلام يطيّب قلوبهنّ؟ فقام حبيب، ونادى يا أصحاب الحميّة وليوث الكريهة، فتطالعوا من مظاربهم كالأسود الضاربة، فقال لبني هاشم إرجعوا إلى مقرّكم لاسهرت عيونكم، ثم التفت إلى أصحابه، وحكى لهم ماشاهده وسمعه نافع، فقالوا بأجمعهم: والله الذي منّ علينا بهذا الموقف لولا انتظار أمره (أمر الحسين) لعاجلناهم بسيوفنا الساعة، فطب نفساً وقرّ عيناً، فجزّاهم خيراً، وقال: هلمّوا معي لنواجه النسوة ونطيّب خاطرهنّ، فجاء حبيب ومعه أصحابه وصاح: يامعشر حرائر رسول الله((ص))، هذه صوارم فتيانكم، آلوا ألاّ يغمدوها إلاّ في رقاب من يريد السوء فيكم، وهذه أسنّة غلمانكم، أقسموا ألاّ يركّزوها إلاّ في صدور من يفرّق ناديكم.
فخرجن النساء إليهم ببكاء وعويل، وقلن أيها الطيّبون، حاموا عن بنات رسول الله وحرائر أمير المؤمنين. فضجّ القوم بالبكاء حتى كأن الارض تميد بهم(1)
يوم عاشوراء

قال أبو مخنف: فلما صلّى عمر بن سعد الغداة يوم الجمعة - وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء - خرج فيمن معه من الناس، قال: وعبّأ الحسين أصحابه، وصلّى بهم صلاة يالغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راج، وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان وراء البيوت، يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم.... ثم إن الحسين ركب دابّة، ودعا بمصحف فوضعه أمامه(2). وروى الطبري وقال: لمّا صبّحت

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الدمعة الساكبة ص325، و تاريخ الطبري، والكامل لابن الأثير.
2 -تذكرة الخواص.
«29»

الخيل، رفع الحسين يديده فقال:]اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدوّ... فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل رغبة[(1)
خطبته الأولى: فلمّا دنا منه القوم دعا براحلته، فركبها، ثم نادى بأعلى صوته نداءً يسمعه جلّ الناس:]أيّها الناس إسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما الحقّ لكم عليّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم، أجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون، إن ولييّ الله الذي نزّل الكتاب، وهو يتولّى الصالحين[، ثم قال:]أما بعد... فانسبوني فانظروا من أنا، ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم ((ص)) وابن وصيّه وابن عمّه؟ وأول المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء من عند ربّه؟ أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟ أوليس جعفر الطيّار ذو الجناحين عمّي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إن رسول الله ((ص)) قال لي ولأخي: هذان سيّدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، والله ماتعمّدت كذباً مذ علمت أن الله يمقت على أهله... أتطلبونني بقتيل فيكم قتلته؟ أو مال لكم استهلكته؟ أو بقصاص من جراحة؟ [فأخذوا لا يكلّمونه.... فقال له قيس بن الأشعث: أو لا تنزل على حكم بني عمّك؟ فإنهم لن يروك إلاّ ما تحبّ، ولن يصل إليك منهم مكروه، فقال الحسين:]أنت أخو أخيك، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟[ لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل ولا أُقرّ إقرار العبيد، إني عُذت بربّي وربّكم أن ترجمون[.... ثم أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه. وتواترت خطابات ودعوات أنصار الحسين إلى أهل الكوفة يخوّفونهم سوء العاقبة، ومغبّة مقاتلة ابن بنت رسول الله ((ص)) وأهل بيته، فما تخوّفوا، وووعظوهم فما اتّعظوا


توبة الحرّ بن يزيد الرياحي:
وروي عن عديّ بن حرملة قال: إن الحرّ بن يزيد لما زحف عمر بن سعد، قال له: يأصلحك الله، مقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتا أيسره أن تسقط الرؤوس، وتطيح الأيدي، قال: أفما لكم في واحدة من الخصال التى عرض عليكم رضىً؟ قال: أما والله لو كان الأمر إليّ لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك، قال: فأقبل حتى وقف من الناس موقفاً، ومعه رجل من قومه يقال له قرّة بن قيس، فقال:يا قرّة هل سقيت فرسك اليوم؟

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -ابن عساكر ص667، وتهذيبه 4/333.
«30»

قال: لا، قال: أفما تريد أن تسقيه؟ قال: فظننت والله أن يريد أن يتنحّى، فلا يشهد القتال، وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت له: لم أسقه، قال: فأخذ يدنو ييمن حسين، قلي قلي، فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس: ما تريد يا بن يزيد؟ أتريد أن تحمل؟ فسكت وأخذه مثل العرواء، فقال له: يا ابن يزيد والله إن أمرك لمريب، والله ما رأيت منك في موقف قطّ مثل شيء أراه الآن، ولو قيل لي من أشجع أهل يالكوفة رج ماعدوتك، فما هذا الذي أرى منك؟! قال: إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار، والله لا أختار على الجنّة شيئاً، ولو قُطّعت وحُرّقت، ثم ضرب فرسه فلحق بحسين((ع)) فقال له: جعلني الله فداك يا بن رسول الله، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان، والله الذي لا إله إلا هو ماظننت أن القوم يردّون عليك ماعرضت عليهم أبداً.... وإنّي قد جئتك تائباً ممّا كان منّي إلى ربّي، ومواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟ قال:]نعم يتوب الله عليك، ويغفر لك، ما اسمك؟[ قال: أنا الحرّ بن يزيد قال: ]أنت الحر، كما سمّتك أمك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة، إنزل[، قال أنا لك فارساً خير منّي يراج، أقاتلهم على فرسي ساعة، وإلى النزول ما يصير آخر أمري، قال الحسين:]فاصنع يرحمك الله ما بدا لك[.
ثم تكلم مع القوم، فحملت عليه رجّالة لهم ترميه بالنبل.
وروى الطبري عن حميد بن مسلم، قال: وزحف عمر بن سعد نحوهم (نحو عسكر الحسين) ثم وضع سهماً في كبد قوسه ثم رمى، فقال: إشهدوا أني أول من رمى، وفي رواية المقريزي: إشهدوا لي عند الأمير أني أوّل من رمى.
قال الطبري والمفيد: ثم ترامى الناس وتبارزوا.... قال وحمل عمرو بن الحجّاج وهو على ميمنة الناس، فلمّا أن دنا من أصحاب الحسين، جثوا على الركب وأشرعوا الرماح ينحوهم، فلم تتقدم خيلهم، وقاتلهم أصحاب الحسين قتا شديداً، ثم أن عمرو بن الحجّاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات فاضطربوا ساعة، فصُرع مسلم بن عوسجة الأسدي، أول أصحاب الحسين((ع))، قال الطبري: وكان أبو الشعثاء يزيد بن زياد بن المهاصر من بني بهدلة خرج مع عمر بن سعد إلى الحسين، فلمّا ردّوا الشروط على الحسين: مال إليه وقاتل معه.....فرمى بمئة سهم ما سقط منها إلاّ خمسة أسهم، وكان رامياً، فكان كلّما رمى فقال: أناابن بهدلة فرسان العرجلة، ويقول الحسين:]اللهم سدّد رميته، واجعل ثوابه الجنة[.
قال الخوارزمي: وكان يأتي الحسين الرجل بعد الرجل، فيقول: السلام عليك يا بن رسول الله، فيجيبه الحسين: ]وعليك السلام ونحن خلفك[. ويقرأ: (فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا)، ثم يحمل فيُقتل. هكذا استمرّ القتال حتى قتلوا عن آخرهم.(1)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مقتل الخوارزمي: 2/25.
«31»



أسماء أنصار الحسين ((ع))
1 - أسلم التركي، مولى الحسين ((ع)).(1)
2 - أنس بن الحارث الكاهلي(2).
3 - أنيس بن معقل الأصبحي.(3)
4 - أم وهب بنت عبد. وهي سيدة من النمر بن قانط. زوجة عبدالله بن عمير الكلبي، من بني عُليم، حين أخبر زوجته أمّ وهب بعزمه على المسير إلى الحسين، فقالت له: أصبت، يأصاب الله بك أرشد أمورك، إفعل وأخرجني معك، فخرج بها لي حتى أتى حسيناً، فأقام معه. وهي التي أخذت عموداً من الخيمة وأقبلت نحو زوجها وهي تقول: فداك أمّي وأبي قاتل دون الطيّبين ذريّة محمد. وضرب غلام شمر بن ذي الجوشن رأسها بالعمود وبعد أن كانت تمسح الدم عن رأس زوجها فشدخه فماتت مكانها.(4)
5 - برير بن خضير الهمداني: وهو شيخ تابعيّ، ووصف بأنه سيّد القرّاء في مسجد الكوفة. وهو همداني من اليمن من سكنة الكوفة.(5)
6 - بشير بن عمرو الحضرمي: وهو أحد آخر رجلين بقيا من أصحاب الحسين((ع)) قبل أن يقع القتل في بني هاشم. والآخر هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع الحضرمي.(6)
7 - جابر بن الحارث السلماني: وعند الشيخ الطوسي جنادة بن الحارث السلماني.(7)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبري5/469، وبحار الأنوار 45/69، والرجال 74، والأعيان 4 القسم الأول 126، ومعجم الرجال الحديث 3/86.
2 -معجم رجال الحديث 3/232 و 333.
3 -المناقب لابن شهرآشوب 4/103، ومقتل الحسين للخوارزمي2/19.
4 -الطبري 5/429-430 و436 و438.
5 -الطبري: 5/432.
6 -الطبرى: 5/432، وبحار الأنوار: 45/70.
7 - معجم رجال الحديث 4/166، والطبري 446. |
«32»

8 - جبلّة بن عليّ الشيباني: وهو في عداد قتلى الحملة الأولى.(1)
9 - جنادة بن الحارث الأنصاري: ذكره بن شهرآشوب: جنادة بن الحرث.(2)
10 - جندب بن حجير الخولاني.(3)
11 - جون مولى أبي ذر: وهو من الموالي، أسود اللون، شيخ كبير السن.(4)
12 - جوين بن مالك الضبعي: وذكر أنه كان من جنود عمر بن سعد: ثم تحوّل إلى الحسين وقاتل معه وقتل في الحملة الأولى.(5)
13 - حبيب بن مظاهر الأسدي: وهو من أصحاب الإمام عليّ، وكان من شرطة الخميس، وهو أحد زعماء الكوفة، وكان على ميسرة أصحاب الحسين((ع)) عند التعبئة.(6)
14 - الحجّاج بن زيد السعدي: أو الحجاج بن يزيد السعدي، وقد حمل كتاب الحسين إلى أهل البصرة يدعوهم لنصرته.(7)
15 - الحجّاج بن مسروق الجعفي: وصف بأنه مؤذّن الحسين وهو كوفي.(8)
16 - الحر بن يزيد الرياحي اليربوعي التميمي: وهو من الشخصيات البارزة في الكوفة وأحد أمراء جيش ابن زياد، وكان يقود فيه ربع تميم وهمدان- وتاب قبل نشوب

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -البحار45/72، والمناقب 4/113.
2 -مقتل الحسين لابن شهرآشوب 2/21، والبحار 45/28.
3 -الرجال: 72، والبحار: 45/82.
4 -البحار 45/22 و71، والرجال: 72، ومقتل الحسين:1/237 و2/19، والطبري5/420، والمناقب: 4/103.
5 -الرجال: 72.
6 -الطبري 5/352، و غيره، و5/440 وغيره.
7 -البحار45/71، والسيد الأمين 4/240.
8 -معجم رجال الحديث: 4/239، والطبري5/401، والبحار 44/376 و45/72.
«33»

المعركة، ولحق بمعسكر الحسين، وقتل معه.(1)
17 - الحلاّس بن عمرو الراسبي: في عداد قتلى الحملة الأولى.(2)
18 - حنظلة بن أسعد الشبامي: وشبام بطن من همدان، وهو كوفي.(3)
19 - خالد بن عمرو بن خالد الأزدي.(4)
20 - زاهر مولى عمرو بن الحمق الخزاعي. وذكره سيدنا الأستاذ في معجم رجال الحديث 7/215: وهو جدّ محمد بن سنان أحد أصحاب الإمامين موسى الكاظم وعليّ بن موسى الرضا((ع)).(5)
21 - زهير بن بشر الخثعمي.(6)
22 - زهير بن القين البجلي: انضمّ إلى الحسين فى الطريق من مكة إلى العراق بعد أن كان كارهاً للقائه، وكان على ميمنة أصحاب الحسين((ع))، كبير السن.(7)
23 - زيد بن معقل الجعفي.(8)
24 - سالم مولى بني المدينة الكلبي(9)
25 - سالم مولى عامر بن مسلم العبدي(10)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبري: 5/422و400و427، واللهوف في قتلى الطفوف: ص32.
2 -مقتل الحسين للخوارزمي: 2/10، والمناقب 4/113، والرجال: 73.
3 -البحار: 45و 43و 73، ومقتل الحسين2/24، والطبري:5/443.
4 -المناقب: 4/101، ومقتل الحسين2/14، والبحار:45/18.
5 -الرجال: 73، والمناقب: 4/113، والبحار: 45/72.
6 -المصدر السابق.
7 -البحار: 45/71، والطبري: 5/426 و396-397، وغيره
8 -الرجال: 73، ومعجم الرجال: 3/266.
9 -البحار: 45/72.
10 -المصدر السابق.
«34»

26 - سعد بن حنظلة التميمي(1)
27 - سعد بن عبدالله مولى عمرو بن خالد. لحق بالحسين مع مولاه وهو بعذيب الهجانات بعد لقائه بالحر وقبيل وصوله كربلاء.(2)
28 - سعيد بن عبدالله الحنفي. وهو أحد الرسل الذين حملوا رسائل الكوفيّين إلى الحسين و من أكثر الثوار تحمّساً.(3)
29 - سواربن منعم بن حابس الهمداني النهمي.(4)
30 - سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي.(5)
31 - سيف بن حارث بن سريع الجابري.(6)
32 - سيف بن مالك العبدي، كان من جملة الرجال الذين يجتمعون في ببيت ماريّة بنت منقذ العبدية في البصرة، التي كانت دارها مألفاً للشيعة.(7)
33 - حبيب بن عبدالله النهشلي.(8)
34 - شوذب مولى شاكر بن عبدالله الهمداني الشاكري. وهو شيخ كبير من أعاظم الثوار إخلاصاً وحماساً.(9)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -المناقب 4/101، والبحار: 45/18.
2 -الرجال: 74، والطبري: 5/445، والبحار: 45/72.
3 -الطبري: 5/419، ومقتل الحسين: 1/195، و2/20، والمناقب: 4/103 وغيرها.
4 -الرجال: 74، والمناقب: 4/113، والبحار: 45/73، والطبري: 5/444.
5 -الطبري: 5/444، والرجال: 74. والبحار: 45/24، والمناقب: 4/102.
6 -الطبري: 5/442، ومقتل الحسين: 4/24،وبحار الأنوار: 45/31و 73.
7 -البحار: 45-72، والرجال: 74، والمناقب: 4/113، والطبري.
8 -الرجال: 74، والبحار: 45-71.
9 -الطبري: 5/443 و 445، والرجال: 75، ومقتل الحسين: 2-22.
«35»

35 - ضرغامة بن مالك.(1)
36 - عبّاس بن أبي شبيب الشاكري: كان رئيساً شجاعاً، خطيباً، ناسكاً متهجداً، ومن أعظم الثوار إخلاصاً وحماساً، وقد مسلم بن عقيل برسالة إلى الحسين ((ع)) يخبره فيها ببيعة أهل الكوفة له، وذلك قبل الغدر به.(2)
37 - عامر بن حسّان بن شريح الطائى: قُتل مع الحسين في الحملة الأولى.(3)
38 - عامر بن مسلم: وهو من قتلى الحملة الأولى، نسبه السيد الأمين فقال: العبدي، ونسبه بحر العلم في هامش رجال الشيخ فقال: السعدي.(4)
39 - عبدالرحمن بن عبدالله بن الكدر (الكدن) الأرجبي: من قتلى الحملة الأولى، ومن حملة رسائل أهل الكوفة إلى الحسين.(5)
40 - عبدالرحمن بن عبد ربّه الأنصاري الخزرجي: وهو أحد الذين كانوا يأخذون البيعة للإمام الحسين في الكوفة.(6)
41 - عبدالرحمن بن عبدالله اليزني.(7)
42 - عبدالرحمن بن عروة الغفاري: ويرجّح أن يكون أحد الأخوين الغفاريّين ابني عرزة بن حرّاق.(8)
43 - عبدالرحمن بن عرزة بن حرّاق الغفاري: كان جدّه حرّاق من أصحاب

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الرجال: 75، والمناقب: 4/113، والبحار: 45-71.
2 -الطبري: 5/443، والرجال: 78، ومقتل الحسين: 2/22، والبحار: 45/28و 29-73، والخوارزمي في مقتل الحسين: 1/197.
3 -رجال النجاشي: 78، والرجال: 77، والبحار: 45-72، والمناقب: 4/13.
4 -البحار: 45/72، والمناقب: 4/113، والرجال: 77.
5 -الطبري: 5/352و354، والمناقب: 4/13، والبحار: 45/73، والرجال: 77 والطبري أيضاً 352، والخوارزمي في مقتل الحسين1/194.
6 -الطبري: 5/423، والرجال: 77، والبحار: 45/1.
7 -معجم رجال الحديث: 9/439، والمناقب: 4/102، ومقتل الحسين: 2/17.
8 -مقتل الحسين: 2/22، و: 45/28و 44/320.
«36»

أميرالمؤمنين((ع))، حارب معه في الجمل والنهروان وصفّين.(1)
44 - عبدالله بن عرزة بن حراق الغفاري: ذكر في المصادر أن أخاه عبدالرحمن.(2)
45 - عبدالله بن عمير الكلبي: في عداد قتلى الحملة الأولى من بني عليم، توجّه من الكوفة إلى الحسين مع زوجته أم وهب بنت عبد من النمر بن قاسط، حين رأى ابن زياد يعرض الجند لإرسالهم إلى حرب الحسين، واستشهدت زوجته بعد قتله، وهو القتيل الثاني من أصحاب الحسين، وهو شاب شديد المراس ومن أعظم الثوار حماساً.(3)
46 - عبدالله بن يزيد بن نبيط (ثبيت العبدي): خرج مع أبيه من البصرة حين تلقّى البصريّون كتاباً من الحسين يدعوهم فيه إلى نصرته.(4)
47 - عبيدالله بن يزيد بن نبيط العبدي: أخو عبدالله المذكور.(5)
48 - عمران بن كعب بن حارث الأشجعي: وهو من قتلى الحملة الأولى.(6)
49 - عمّار بن أبي سلامة الدالاني: من قتلى الحملة الأولى.(7)
50 - عمّار بن حسّان بن شريح الطافي.(8)
51 - عمرو بن جنادة بن الحارث الأنصاري: ونعتقد أنه هو الشاب الذي قُتل أبوه في يالمعركة فأمرته أمّه أن يتقدّم ويقاتل، وكره الحسين ذلك قائ: ]هذا شابّ قُتل أبوه، ولعلّ أمّه تكره خروجه[ فقال الشاب: أمّي أمرتني.(9)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبري: 5/442، والرجال: 77، والبحار: 45/29و 71، ومقتل الحسين: 2/23.
2 -المصدر نفسه:.
3 -الطبري:5/429-430و 436، والمناقب: 4/113، ومقتل الحسين: 2/8-9، والبحار: 45/12-13و 71.
4 -الطبري: 5-353-354، والمناقب: 4/113، والبحار: 45/72.
5 -المصدر السابق.
6 -المناقب: 4/113، والرجال: 76.
7 -البحار: 45/73.
8 -ورد ذكره في الزيارة الرجبيّة.
9 - المناقب: 4/104، ومقتل الحسين: 2/21، والبحار: 45/28و45/7.
«37»

52 - عمر بن جندب الحضرمي.(1)
53 - عمرو بن خالد الأزدي: وقد حكم التستري في قاموس الرجال بأن هذا متّحد مع صاحب الاسم عمربن خالد الصيداوي.(2)
54 - عمر بن خالد الصيداوي.(3)
55 - عمرو بن عبدالله الجندعي: من قتلى الحملة الأولى.(4)
56 - عمرو بن ضبيعة الضبعي: من قتلى الحملة الأولى.(5)
57 - عمرو بن قرضة بن كعب الأنصاريّ: أرسله الحسين مفاوضاً إلى عمر بن سعد.(6)
58 - عمر بن عبدالله (أبو ثمامة) الصائدي: وعند الخوارزمي: الصيداوي.(7)
59 - عمرو بن مطاع الجعفي.(8)
60 - عمير بن عبدالله المذحجي.(9)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -البحار: 45/73.
2 -المناقب: 4/101، والبحار: 45/18، ومقتل الحسين2/14.
3 -الطبري: 5/446، والبحار: 45/23و72.
4 -المناقب: 4/113، والبحار: 45/73.
5 -الرجال: 77، والمناقب: 4/113، والبحار45/72.
6 - الطبري: 5/413، والمناقب: 4/105، والبحار: 45/22و 71، ومقتل الخوارزمي2/22. |
7 -البحار: 45/70، والطبري ،والمناقب: 4/104، ومقتل الحسين للخوارزمي2/17.
8 -المناقب: 4/102، والبحار 45/25، ومقتل الحسين: 2/18.
9 -المصدر السابق.
«38»

61 - قارب مولى الحسين((ع)).(1)
62 - قاسط بن زهير (ظهير) التغلبي: في عداد الحملة الأولى، ويقول الشيخ إنه (قاسط بن عبدالله).(2)
63 - قاسم بن حبيب الأزدى: ورد اسمه في الرجبيّة القاسم بن الحارث الكاهلي.(3)
64 - قرّة بن أبي قرّة الغفارى: وفي الرجبيّة عثمان بن فروة الغفاري.(4)
65 - قعنب بن عمرو النمري.(5)
66 - كردوس (كرش)بن زهير (ظهير) التغلبي.(6)
67 - كنانة بن عتيق التغلبي: في عداد قتلى الحملة الأولى.(7)
68 - مالك بن عبدالله بن سريع الجابري: أخو سيف بن الحارث بن سريع.(8)
69 - مجمع بن عبدالله العائذي المذحجي: في عداد قتلى الحملة الأولى.(9)
70 - مسعود بن الحجّاج، قُتل في الحملة الأولى.(10)
71 - ابن مسعود بن الحجّاج، قُتل في الحملة الأولى.(11)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -البحار: 45/69.
2 -البحار: 45/71، والمناقب: 4/113، والرجال: 79.
3 -البحار: 45-73، والرجال: 79.
4 -المناقب: 4/102، ومقتل الحسين: 2/18، والبحار:45/24.
5 -البحار: 45/72.
6 -المصدر السابق، والمناقب 4-113، والرجال79.
7 -المصدر السابق.
8 -الطبري: 5/442، ومقتل الحسين: 2/24، والبحار 45/31و73.
9 -الطبري: 5/405، والمناقب: 4/113، والبحار: 45/72.
10 -البحار: 45/72، والمناقب4/113.
11 - المصدرالسابق.
«39»

72 - مسلم بن عوسجة الأسدي: هو أول قتيل من أنصار الحسين بعد قتلى الحملة الأولى، صحابيّ ممّن رأى رسول الله((ص))، وروى عنه، كان يأخذ البيعة للحسين في الكوفة، عند مسلم بن عقيل على ربع مذحج وأسد حين بدأ تحرّكه(1) .وهو كبير السن شخصيّة أسدية كبرى، ومن الشخصيّات البارزة في الكوفة.
73 - مسلم بن كثير الازدي الأعرج: في عداد قتلى الحملة الأولى.(2)
74 - منجح مولى الحسين: عن ربيع الأبرار للزمخشري أن أمّه أمّ منجح(حسينيّة)، كانت جارية له ((ع)) اشتراها من نوفل بن الحارث بن عبدالمطلب، ثم تزوّجها سهم (أبو منجح) فولدت له منجحاً.(3)
75 - نافع بن هلال الجملي: شارك في جلب الماء مع العبّاس بن عليّ، كوفي شخصيّة بارزة، ينتسب إلى جمل بن سعد العشيرة من مذحج.(4)
76 - نعمان بن عمرو الراسبي: في عداد قتلى الحملة الأولى.(5)
77 - نعيم بن عجلان الأنصاري: في عداد قتلى الحملة الأولى.(6)
78 - وهب بن عبدالله بن جناب الكلبي: تتحدّث المصادر عن أن أمّه وزوجته، كانتا معه، وفي بعضها أن زوجته قُتلت، وعند الخوارزمي أن أمّه هي التي قُتلت. وفي بعضها أن اسمه وهب بن وهب، وأنه كان نصرانيّاً فأسلم.(7)
79 - يحيى بن سليم المازني.(8)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -البحار: 45/69، والطبري: 5/435و369.
2 -الرجال: 80، والمناقب: 4/113، والبحار: 45/72.
3 -قاموس الرجال: 9/120، والطبري: 5/469، والبحار: 45/69.
4 -الطبري: 5/404، والرجال: 80، والبحار: 45/77، والمناقب: 4/104.
5 -المناقب: 4/113، الرجال: 80.
6 - المصدر السابق، والبحار: 45/70.
7 -المناقب: 4/101، ومقتل الحسين: 2/12- 13، والبحار: 44/320- 321و 45/16-17.
8 -المناقب: 4/102، ومقتل الحسين: 2/17.
«40»

80 - يزيد بن الحصين الهمداني المشرقي القاري.(1)
81 - يزيد بن زياد بن مهاصر أبو الشعثاء الكندي: تناقضت الروايات عن قصّة تحوّله إلى الحسين((ع)) فمرّة يقول الطبري إنه تحوّل إلى الحسين من معسكر بن زياد بعد ما رفضوا عروض الحسين، ومرّة قال عنه إنه خرج إلى الحسين((ع)) من الكوفة قبل أن يلاقيه الحر، وكذلك اضطرب فيه السيد الأمين.(2)
82 - يزيد بن نبيط (ثبيت العبدي): ذكره الطبري وصحّف في الزيارة يزيد بن ثبيت القيسي، وفي الرجبيّة باسم(بدر بن رقيط) وذكره سيدنا الأستاذ باسم(بدر بن رقيّه) قدم إلى الحسين((ع)) مع ولديه عبدالله وعبيدالله من البصرة إلى مكّة بعد أن وصل كتاب الحسين إلى أشرافها، كان منضوياً في جماعة شيعيّة في البصرة.(3)
وهناك العديد من الأسماء تذكرهم المصادرالتاريخية على أنهم من الأنصار ممّن قُتلوا مع الحسين((ع)) في الطف. منهم:
1 - ابراهيم بن الحصين الأزدي.(4) 2 - أبو عمرو النهشلي أو الخثعمي.(5) 3 - حمّاد بن حمّاد الخزاعي المرادي.(6) 4 - حنظلة بن عمرو الشيباني: ذكره ابن شهرآشوب في عداد قتلى الحملة الأولى.(7) 5 - رميث بن عمرو.(8) 6 - زائدة بن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الرجال: 81، والبحار: 45/72.
2 -الطبري: 5/408و445-446، والمناقب: 4/113، ومقتل الحسين: 2/25، والبحار: 45/72، وأعيان الشيعة: ج4 القسم الأول من100و115و116.
3 -معجم رجال الحديث: 3/266، والطبري: 5/353-354، والبحار: 45/72.
4 -المناقب: 4/105.
5 -مثير الأحزان: 42-43.
6 -البحار: 45/30.
7 -المناقب: 4/113.
8 -معجم رجال الحديث: 7/204.
«41»

مهاجر.(1) 7 - زهير بن سائب.(2) 8 - زهير بن سليمان وسلمان بن مضارب البجلي وسليمان بن سليمان الأزدي وسليمان بن كثير وعامربن جليدة (خليدة) وعامر بن مالك وعبدالرحمن بن يزيد وعثمان بن فروة الغفاري وعمر (عمير) بن كناد وعبدالله بن أبي بكر، قال عنه السيد الأمين: قال الجاحظ في كتاب الحيوان: وهو شهيد من شهداء يوم الطف.(3) وعبدالله بن عروة الغفاري، وهو من قتلى الحملة الأولى، وغيلان بن عبدالرحمن والقاسم بن الحارثالكاهلي وقيس بن عبدالله الهمداني ومالك بن دودان ومسلم بن كناد ومسلم مولى عامربن مسلم ومنيع بن زياد ونعمان بن عمرو ويزيد بن مهاجر الجعفي.(4)
مقتل عترة النبي((ص)):
في مقتل الخوارزمي قال: لمّا لم يبق مع الحسين((ع))، إلاّأهل بيته، اجتمعوا وودّع بعضهم بعضاً، وعزموا على الحرب.(5)
وقال الطبري: وكان أول قتيل من بني أبي طالب يومئذ عليّ الأكبر بن الحسين بن علي، وأمّه ليلى ابنة أبي مرّة بن عروة بن مسعود الثقفي.(6) وكانت أمّ أمّه ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب(7) ومن هذا أُعطي له الأمان يومذاك، وقالوا له كما ذكره المصعب الزبيري: إن لك قرابة بأمير المؤمنين - يعني يزيد بن معاوية - ونريد أن يرعى هذا الرحم، فإن شئت آمنّاك، فقال عليّ: لقرابة رسول الله ((ص)) أحقّ أن تُرعى، وحمل على القوم.
قال الخوارزمي: فلما رآه الحسين((ع))، رفع شيبته نحو السماء، وقال:]اللهم اشهد على

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - المصدر السابق.
2 -المصدر السابق.
3 - الحيوان للجاحظ. |
4 -مقتل الحسين 2/20، والمناقب: 4/113، ومقتل الحسين: 2/19.
5 -مقتل الخوارزمي 2/26.
6 -مقاتل الطالبيّين ص80، وتاريخ الطبري ط أوربا2/257-356.
7 -المصدر السابق، ونسب قريش لمصعب ص57، والإصابة 4/178 ترجمة أبي مرّة.
«42»

هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقاً وخُلُقاًومنطقاً برسولك محمد((ص))، وكنّا إذا اشتقنا إلى وجه رسولك نظرنا إلى وجهه، اللهم فامنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً، فإنهم دعونا لينصرونا، ثم عدواْ علينا يقاتلوننا[.... فلم يزل ] عليّ الأكبر((ع))[ يقاتل حتى ضجّ أهل الكوفة، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبه، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟.... فمرّ يشدّ الناس بسيفه فاعترضه مرّة بن منقذ فطعنه فصُرع واحتوته الناس، فقطّعوه بأسيافهم.(1) ثم برز من بعده عبدالله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وأمّه رقيّة الكبرى بنت الإمام عليّ فقاتل حتى قُتل(2). قال الخوارزمي وابن شهرآشوب: برز جعفر بن عقيل بن أبي طالب.... فقاتل حتى قتل(3). وبرز بعده أخوه عبدالرحمن بن يعقيل....فقاتل حتى قتل، ثم برز محمد بن عبدالله بن جعفر فقاتل قتا شديداً حتى قتل. ثم برز أخوه عون... فقاتل حتى قتل(4)ثم برز عبدالله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب فقاتل حتى قتل.(5) ثم برز أخوه القاسم بن الحسن وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر إليه الحسين، اعتنقه... وروى الطبري عن حميد بن مسلم، قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه شقّة قمر في يده السيف... وانجلت الغبرة فإذا أنا بالحسين قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجليه، وحسين يقول:]بُعداً لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدّك[.
ثم قال: ]عز والله على عمّك، أن تدعوه فلايجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، صوتٌ والله كثر واتره وقلّ ناصره[..... فجاء به حتى ألقاه مع ابنه عليّ بن الحسين وقتلى، قد قتلت حوله من أهل بيته.(6)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مقتل الخوارزمي: 2/30-31.
2 -نسب قريش لمصعب الزبيري ص45، ومقاتل الطالبيّين 94، والمناقب 2/220.
3 -مقتل الخوارزمي، ومناقب ابن شهرآشوب، والطبري.
4 -المناقب2/220، ومقتل الخوارزمي2/27.
5 -المصدر السابق.
6 -الطبري 2/358-359، والإرشاد ص223.
«43»

مقتل إخوة الحسين((ع)):
ثم تقدّم إخوة الحسين((ع)) عازمين على أن يُقتلوا دونه، فأول من تقدّم منهم أبوبكر بن عليّ، واسمه عبدالله، وأمّه ليلى بنت مسعود بن خالد بن ربعي بن مسلم بن جندل التميميّة، فقُتل، ثم خرج من بعده أخوه عمر بن عليّ، فقصد قاتل أخيه فقتله، وجعل يضرب بسيفه ضرباً منكراً... ثم لم يزل يقاتل حتى قتل. ثم خرج عثمان بن عليّ وأمّه أمّ البنين بنت حزام بن خالد من بني كلاب ثم قاتل حتى قتل، ثم خرج جعر بن عليّ وأمّها أمّ البنين أيضاً فحمل على القوم ثم قتل، ثم خرج من بعده أخوه عبدالله بن عليّ، وأمّهأم البنين أيضاً، حمل وقاتل حتى قتل.(1)
مقتل العبّاس بن أمير المؤمنين((ع)):
ييفي مقاتل الطالبيين: كان العبّاس رج وسيماً جمي يركب الفرس المطهّم، ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يقال له: قمر بني هاشم، وكان لواء الحسين معه يوم قتل، وهو أكبر ولد أمّ البنين، وهو آخر من قتل من إخوته لأمّه وأبيه.(2)
وفي مقتل الخوارزمي: ثم خرج العبّاس وهو السقّاء، فحمل وهو يقول:
أقسمت بالله الأعزّ الأعظمِ ----- وبالحجون صادقاً وزمزمِ

وبالحطيم والفنا المحرّمِ ----- ليخضبنّ اليوم جسمي بدمي

دون الحسين ذي الفخار الأقدمِ ----- إمام أهل الفضل والتكرّمِ(3)
وفي الإرشاد، ومثير الأحزان واللهوف(4): واشتد العطش بالحسين((ع)) فركب المسنّاة يريد الفرات، وبين يديه العبّاس أخوه، فاعترضه خيل ابن سعد. وفي مناقب ابن شهرآشوب: مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم، وهو يقول:
لا أرهب الموت إذا الموت رقى ----- حتى أوارى في المصاليت لقا

نفسي لنفس المصطفى الطهر وقا ----- إنّي أنا العبّاس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشرّ يوم الملتقى ففرّقهم فكمن له زيد بن الورقاء الجهني من وراء نخلة،

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -في الطبري، والمناقب، ومقتل الخوارزمي 2/28-29.
2 -مقاتل الطالبيّين ص84.
3 -مقتل الخوارزمي2/29-30.
4 -الإرشاد ص24، وإعلام الورى ص244، ومثير الأحزان ص53، واللهوف ص45.
«44»

وعاونه حيكم بن الطفيل، فضربه على يمينه، فأخذ السيف بشماله، وحمل عليهم وهو يرتجز:
والله إن قطعتمُ يميني ----- إني أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين ----- نجل النبيّ الطاهر الأمين



فقاتل حتى ضعف، فكمن له حكيم بن الطفيل الطائي، من وراء نخلة فضربه على شماله، فقطعها، ثم قتله الملعون بعمود من حديد(1)
مقتل أطفال آل الرسول((ص)):
في مقتل الخوارزمي وغيره: تقدّم الحسين إلى باب الخيمة وقال:]ناولوني عليّاً الطفل حتى أودّعه[، فناولوه ]الرضيع[ فجعل يقبّله ويقول:]ويلٌ لهؤلاء القوم إذا كان خصمهم جدّك[. فبينا ]الرضيع[ في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي فذبحه في حجره، فتلقّى الحسين دمه حتى امتلأت كفّه، ثم رمى به نحو السماء، وقال:]اللهم إن حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا، وانتقم من هؤلاءالظالمين[. ثم نزل الحسين عن فرسه وحفر ]للرضيع[ بجفن سيفه وزمّله بدمه وصلّى عليه.(2)
وقال الطبري: ورمى عبدالله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بن عليّ بسهم فقتله، وروى الطبري عن هانىء الحضرمي، قال: كنت ممّن شهد قتل الحسين، قال: فوالله إنّي لواقف عاشر عشرة، ليس منّا رجل إلاّ على فرس، وقد جالت الخيل وتصعصعت، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية... فأقبل رجل يركض حتى إذا دنا منه مال عن فرسه، ثم اقتصد الغلام، فقطعه بالسيف. وقال الطبري: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجّالة نحو الحسين، فأخذ الحسين يشدّ عليهم فينكشفون عنه، ثم أنهم أحاطوا به إحاطة، وأقبل الى الحسين، عبدالله بن الحسن(3) من عند النساء، وهو غلام لم يراهق، فأخذته أخته زينب ابنة على لتحبسه، فقال لها الحسين:]إحبسيه، فأبى الغلام وجاء يشتدّ إلى الحسين، فقام إلى جنبه، قال: وقد أهوى بحر بن كعب من بني تيم اللّه بن ثعلبة بن عكابة إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام: يا بن الخبيثة أتقتل عمّي؟! فضربه بالسيف فاتّقاه الغلام بيده، فأطنّها إلى الجلدة، فإذا يده معلّقة، فنادى الغلام: يا

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -المناقب لابن شهرآشوب 2/221-222.
2 -مقتل الخوارزمي 2/32، وتاريخ الطبري ط اروبا، 2/360، وابن كثير 8/188.
3 -الطبري ط أوربا 2/363، وإرشاد المفيد ص225.
«45»

أمّتاه، فأخذه الحسين فضمّه إلى صدره، وقال: يا بن أخي إصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين... .(1)
مقتل الحسين وسلبه:
قال الطبري:...ثم إن شمر بن ذي الجوشن، أقبل في الرجّالة نحو الحسين، فأخذ الحسين ييشدّ عليهم فينكشفون عنه... ومكث الحسين طوي من النهار، كلمّا انتهى إليه رجل من يالناس انصرف عنه، وكره أن يتولّى قتله ويبوء بعظيم الإثم،... إن رج يقال له: مالك بن النسر من بني بدّاء، أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه برنس له فقطع البرنس، وأصاب بالسيف رأسه فأدماه فامتلأ البرنس دماً...!!
وقال أبو مخنف: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة، قبل منزل الحسين الذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوه، فقال الحسين:]ويلكم إن لم يكن لكم دين ولا تخافون يوم المعاد فكونوا في أمر دنياكم أحراراً ذوي أحساب، إمنعوا رحلي وأهلي من طغامكم وجهّالكم[.....
وأقدم عليه بالرجّالة منهم أبو الجنوب واسمه عبدالرحمن الجعفي، والقشعم بن عمرو يزيد الجعفي، وصالح بن وهب اليزني، وسنان بن أنس النخعي، وخوليّ بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر بن ذي الجوشن يحرّضهم....
وروى الطبري عن أبي مخنف عن عمّار بن عبد يغوث البارقي: فو الله إنه لكذلك إذ خرجت زينب ابنة فاطمة أخته، وهي تقول:]ليت السماء تطابقت على الأرض[، وقد دنا عمر بن سعد من حسين فقالت:]يا عمر بن سعد أيُقتل أبو عبدالله وأنت تنظر إليه[؟ قال: فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خدّيه ولحيته، قال: وصرف بوجهه عنها.(2) قال أبو مخنف: حدّثني الصقعب بن الزبير عن حميد بن مسلم قال: ولقد يمكث طوي من النهار، ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتّقي بعضهم ببعض، ويحبّ هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء، فنادى شمر في الناس: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ أقتلوه ثكلتكم أمّهاتكم، قال: فحملو عليه من كل جانب فضربت كفّه اليسرى ضربة، ضربها شريك التميمي، وضرب على عاتقه، ثم انصرفوا وهو ينوء ويكبو، قال: وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي، فطعنه بالرمح فوقع، ثم قال لخوليّ بن يزيد الأصبحي احتزّ رأسه، فأراد أن يفعل فضعف فأرعد، فقال له سنان بن أنس: فتّ الله عضديك وأبان يديك، فنزل إليه فذبحه واحتز رأسه الشريف، ثمدفعه إلى خوليّ بن يزيد.
قال أبو مخنف: عن جعفربن محمد بن عليّ قال: وجد بالحسين((ع)) حين قُتل ثلاث

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -المصدر نفسه.
2 -الطبري: 2/364-365 ط اوربا.
«46»

وثلاثون طعنة، وأربع وثلاثون ضربة، وجعل سنان بن أنس لا يدنو أحد من الحسين إلاّ شدّ عليه، مخافة أن يغلب على رأسه حتى أخذ رأس الحسين((ع)) فدفعه إلى خوليّ.
قاتل الحسين يطلب الجائزة:
قال أبو مخنف: فقال الناس لسنان بن أنس: قتلت حسين بن عليّ وابن فاطمة ابنة رسول الله((ص))، قتلت أعظم العرب خطراً; جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن ملكهم، فأتِ يأمراءك فاطلب ثوابك منهم، وإنهم لو أعطوك بيووت أموالهم في قتل الحسين كان قلي. فأقبل على فرسه، وكان شجاعاً، وكانت به لوثة، فأقبل حتى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد ثم نادى بأعلى صوته:
أو قر ركابي فضّة وذهبا ------ أنا قتلت الملك المحجّبا

قتلتُ خير الناس أمّاً وأبا ----- وخيرَهم إذ ينسبون نسبا



ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه، من ينتدب للحسين ويوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة، منهم إسحاق بن حياة الحضرمي، وهو الذي سلب قميص الحسين فبرص بعدها. وأحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي، أتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضّوا صدره وظهره...الخ(1) قال: وماهو إلاّ أن قتل الحسين، فسرِّح برأسه من يومه ذلك مع خوليّ بن يزيد، وحميد بن مسلم الأزدي، فلما أصبح غدا بالرأس إلى عبيد الله بن زياد، وأقام عمر بن سعد يومه ذلك والغد، ثم أمر حميد بن بكير الأحمري، فأذّن في الناس بالرحيل إلى الكوفة، وحمل بنات الحسين((ع))، وأخواته، ومن كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريض.(2)
وفي الإرشاد: وحمل أهله أسرى وفيهم عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن عليّ بن أبي طالب((ع)) وكان الحسن بن الحسن بن عليّ قد ارتثّ جريحاً، فحمل معهم، وعليّ بن الحسين الذي أمّه أم ولد، وزينب العقيلة، وأم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب وسكينة بنت الحسين.
عدد الذين رافقوا الحسين((ع)) إلى كربلاء

قال المفيد: كان قد اجتمع إلى الحسين مدة مقامه بمكة، نفر من أهل الحجاز، ونفر من

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبري 2/368 ط أوربا.
2 -المصدر السابق.
«47»

أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه.(1)
وقال أبو مخنف: كان الحسين لا يمر بأهل ماء إلاّ اتّبعوه حتى إذا انتهى إلى زبالة سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة، عبدالله بن يقطر، وكان سرّحه إلى مسلم بن عقيل من الطريق، و هو لا يدري أنه قد أصيب.(2)



وقال الدينوري: وقد كان صحبه قومه من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنوا أنه يقدم على أنصار وعضد، تفرّقوا عنه، ولم يبق معه الا خاصّته.(3)
ينقل الطبري عن أبي مخنف: عن الضحاك بن عبدالله المشرقي قال: فلما حلى عمر بن سعد الغداة.... وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء خرج فيمن معه من الناس.... وعبّأ الحسين يأصحابه وصلّى بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راج.(4)
ويقول شمس الدين في كتابه: إن أصحاب الحسين الذين نقدّر أنهم معه في كربلاء من يالعرب والموالي يقاربون مئة رجل أو يبلغونها وربما زادوا قلي على المئة.(5)
ومن المسائل المتّصلة بعدد أصحاب الحسين((ع)) مسألة الرؤوس وعددها، فقد قال أبو مخنف في روايته عمّا حدث بعد قطع رأس الحسين((ع)) الشريف، عن قرّة بن قيس التميمي، وهو شاهد عيان من الجيش الأموي وقطف رؤوس الباقين، فسُرّح باثنين وسبعين رأساً.(6)
وقال أبو مخنف: فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاء سائر الجيش بسبعة رؤوس، فذلك سبعون رأساً.(7)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الإرشاد للمفيد ص218.
2 -رواية الطبري عن أبي مخنف، وابن الأثير3:278.
3 -الأخبار الطوال للدينوري: ص248.
4 -الطبري: 5/422و436.
5 -أنصار الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين.
6 -الطبري: 5/455-456، ومثير الأحزان: ص65، واللهوف في قتلى الطفوف ص60.
7 -الطبري: 5/467-468، والمناقب لابن شهرآشوب 4/112.
«48»

وفي رواية هشام بن الوليد الكلبي وأبي مخنف عن استقبال يزيد بن معاوية لرسول ابن زياد الذي أرسله بشيراً بالقضاء على الثورة الحسينية:.... إذ أقبل زحر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية فقال له يزيد: ويلك ما وراءك وما عندك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن عليّ في ثمانية عشر من أهل بيته، وستّين من شيعته، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أتينا على آخرهم.....(1)
من بقي من أصحاب الحسين((ع)) وأهل بيته في واقعة الطف

فأما الهاشميّين:
1 - الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين((ع)).
2 - الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.
3 - عمر بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب.(2)
وأمّا غير الهاشميّين:
1 - الضحاك بن عبدالله المشرقي: كان قد أعطى الحسين ((ع)) عهداً أن يقاتل معه ما يكان قتاله معه نافعاً، فإذا لم يجد مقات معه كان في حلّ من الانصراف.(3)
2 - عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الإمام الحسين ((ع)): قال لعمر بن سعد حين أراد قتله: أنا عبد مملوك، فخلّى سبيله.(4)
3 - المرقّع بن ثمامة الأسدي: كان قد نثر نبله، وجثا على ركبتيه، فقاتل، فجاءه نفر من قومه فقالوا له أنت آمن، أخرج إلينا، فخرج إليهم.(5)
مفارقات من واقعة الطف:
موقف الحرّ الرياحيّ:
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبري: 5/459-460.
2 -الطبري: 5/469.
3 -الطبري: 5/418و444-445.
4 -الطبري: 5/454.
5 -المصدر السابق.
«49»

إن بعض النفوس مهما علتها غشاوة من الانحراف والضلال، إلا أنها تبقى توّاقة إلى فعل الخير والصلاح، وكلما وجدت نوراً استرشدت به طريق الحق، أسرعت اليه، فالحر بن يزيد الرياحي، ذلك الرجل الذي جعجع بركب الحسين(ع) وعيالاته وسايرهم، و أدخل عليهم الخوف والهمّ والغمّ، فإنه لمّا سمع خطاب الحسين ((ع)) في جيش ابن زياد، انشرح قلبه للإيمان، وأسرع إلى معسكر الحسين((ع)) وقال: إني والله أخيّر نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة شيئاً، ولو قُطّعت وحُرّقت، وإذا به يقاتل دون الحسين قتال الأبطال، ثم ينال الدرجة الرفيعة والمنزلة المرموقة لدى رسول الله((ص))، لنصرته ولده وريحانته الإمام الحسين((ع)).
الإمام ((ع)) وعمر بن سعد:
استدعى الامام الحسين ((ع)) عمر بن سعد، لآخر مرّة كي يلقي عليه الحجّة النهائية، واجتمع معه، علّه يبصر الطريق الواضح، وقال له بعد أن يئس منه: ]أي عمر، أتزعم أنك تقتلني، ويولّيك الدعيّ بلاد الريّ وجرجان، والله لا تتهنّأ بذلك، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ويتّخذونه غرضاً بينهم[.(1) ولم تنفعه المواعظ ولا المؤثرات الاصلاحية. فكان مصداقاً للآية الشريفة:(والذي خبث لا يخرج إلا نكداً). فوقف بكل وقاحة وشقاوة متحدّياً في صبيحة العاشر من المحرّم، واضعاً سهمه في كبد قوسه ورمى يبه نحو معسكر الحسين((ع)) قائ:
إشهدوا لي عند الأمير أني أوّل من رمى!!(2)
ابن حوزة: هذا الآدمي الممسوخ أحد أفراد الجيش الأموي الذي دنا من الحسين(ع)، بعد أن أوقد أنصار الحسين النار حول المخيّم متحدّياً وقال:
يا حسين أبشر بالنار- قالها ثلاثاً - فأجاب الحسين ((ع)):]كذبت، بل أقدم على ربّ غفور وشفيع مطاع[، ثم رفع يديه إلى السماء وقال:]اللهم حزّه إلى النار[. فغضب ابن حوزة من دعاء الحسين، فذهب ليقتحم عليه الفرس، فكان بين الحسين وبينه نهر فعلقت قدمه بالركاب، فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الآخر متعلّقاً بالركاب حتى هلك.(3) فرآه أحد المتحمّسين لابن زياد، وهو مسروق بن وائل، فاهتدى

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مقتل الحسين للمقرّم ص289، ومقتل الخوارزمي ج2، ص8.
2 -اللهوف: ص42، والطبري ج4، ص335، والكامل ج3، ص289.
3 -الطبري: ص338، والكامل ص289.
«50»

يوترك الجيش قائ: لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً لا أقاتلهم أبداً.(1)
استغاثة الحسين ((ع)) وهداية نفر من جيش ابن زياد:
لمّا نظر الحسين ((ع)) إلى كثرة أعدائه وقلّة أصحابه وكثرة من قُتل منهم، قبض على يشيبته المباركة قائ:]اشتدّ غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتدّ غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتدّ غضبه على المجوس، إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتدّ غضبه على قوم اتّفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم[... ثم صاح: ]أما من مغيث يغيثنا، أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله[؟! فسمع نفر من جيش ابن سعد كلامه فاهتزّت مشاعرهم، واستيقظت ضمائرهم، فاندفعوا نحو الحسين ينصرونه ويدافعون عنه كسعد بن الحارث الأنصاري وأخيه حتى قتلا.
جون مولى أبي ذر: كان من الأشخاص الذين اتّبعوا الحسين((ع)) طلباً للرزق والطمأنينة لمّا رأى الحسين((ع)) بهذا الحال، تقدّم يستأذنه في الدفاع عنه، فعطف عليه يالحسين((ع)) قائ: ]يا جون إنما تبعتنا طلباً للعافية، فأنت في إذن منّي[، فقال: سيّدي أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم؟! إن ريحي لنتن، وحسبي للئيم، ولوني لأسود، فتنفّس عليّ بالجنّة، ليطيب ريحي ويشرف حسبي، ويبيّض لوني، لا والله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم، فأذن له الحسين((ع)) فهجم على جيش الضلال والانحراف وقتل منهم خمسة وعشرين ثم قتل. فوقف عليه الحسين((ع)) وقال:]اللهم بيّض وجهه وطيّب ريحه، واحشره مع محمد، وعرّف بينه وبين آل محمد ((ص))[ فكان لا يمرّ عليه أحد في المعركة إلا ويشمّ منه رائحة طيّبة أزكى من المسك.(2)
نافع بن هلال البجليّ: كان من الفدائيّين لآل الرسول((ص)) الذين يجيدون الرمي بالسهام، وقد كتب عليها اسمه، فأخذ يرمي الأعداء بها حتى قتل اثني عشر سوى من جرح، ولمّا نفدت سهامه جرّد سيفه وهجم على القوم، فأحاطوا به من كل جانب حتى كسرت عضداه، وأخذ أسيراً إلى عمر بن سعد فقال له: ويحك يا نافع ما حملك على ماصنعت بنفسك؟ وكانت الدماء تسيل على لحيته، فقال: إن ربّي يعلم ما أردت، والله لقد قتلت منكم اثني عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني، فقتله شمر لعنه الله.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -المصدر السابقان.
2 -مقتل العوالم ص88.
«51»



الهفهاف بن المهنّد: خرج الهفهاف بن المهنّد الراسبيّ من البصرة حين سمع بخروج الحسين((ع)) فسار حتى انتهى إلى المعسكر مساء يوم الطف بعد قتل الحسين((ع))، فدخل عسكرعمر بن سعد ثم انتضى سيفه وقال:
يا أيّها الجند المجنّد ----- أنا الهفهاف بن المهنّد

أبغي عيالات محمّد

قال عليّ بن الحسين((ع)): ]فمارأى الناس منذ بعث الله محمداً((ص)) فارساً بعد عليّ بن أبي طالب((ع)) قتل بيده ما قتل، فتداعوا عليه خمسة أنفار، فاحتوشوه حتى قتلوه رحمه الله تعالى[.(1) وكان بصريّاً فارساً شجاعاً من المخلصين في الولاء. وكان من أصحاب أمير المؤمنين ((ع))، وحضر مشاهده كلّها، وكان ملازماً له ((ع)) إلى أن قتل ((ع))، فانضمّ بعده إلى الحسن((ع)) ثم إلى الحسين((ع))(2).
الضحّاك لا يليق بالشهادة: يقول الطبري: قال أبو مخنف: حدّثني عبدالله بن عاصم عن الضحاك بن عبدالله المشرقي، قال: لمّا رأيت أصحاب الحسين((ع)) قد أصيبوا وقد خلص إليه وإلى أهل بيته، ولم يبق معه غير سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي، وبشير بن عمرو الحضرمي، قلت له: يا بن رسول الله قد علمت ما كان بيني وبينك، قلت ييلك أقاتل عنك ما رأيت مقات، فإذا لم أر مقات فأنا في حلّ من الانصراف، فقلت لي:]نعم [قال: فقال: ]صدقت، وكيف لك بالنجاء؟ إن قدرت على ذلك فأنت في حلّ[. قال فلمّا أذن لي استخرجت الفرس من الفسطاط ثم استويت على متنها، ثم ضربتها حتى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القوم، فأفرجوا لي وأتبعني منهم خمسة يعشرة رج حتى انتهيت إلى شُفيّة، قرية من شاطيء الفرات.... فقالوا: هذا الضحاك بن عبدالله المشرقي، هذا ابن عمّنا، ننشدكم الله لما كففتم عنه... فنجّاني الله!! وكان قد وصل إلى أرض كربلاء في يوم التاسع من المحرّم عام 61.(3)
مولى الرباب لا يليق بالشهادة: قال الدينوري: ولم يسلم من أصحابه (أصحاب الحسين]ع[) إلاّ.... مولى الرباب((س)) أمّ سُكينة، أخذوه بعد قتل الحسين، فأرادوا

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -تراثنا العدد 2، ص156.
2 -
3 - تاريخ الطبري: 6/255.
«52»

ضرب عنقه، فقال لهم: إني عبد مملوك، فخلّوا سبيله.(1)
وقال الطبري: أخذ عمر بن سعد، عقبة بن سمعان، وكان مولىً للرباب بنت امرىء القيس، وهي أمّ سُكينة بنت الحسين، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا عبد مملوك، فخلّى سبيله فلم، ينجو منهم أحد غيره.(2) وذكره الجزيري: والعجب من عدم لياقته للشهادة دون الحسين صلوات الله تعالى عليه.(3)
سلب الحسين((ع))
في الإرشاد: ثم أقبلوا على سلب الحسين ((ع))، فأخذ قميصه إسحاق بن الخبوة الحضرمي، وأخذ سراويله أبجر بن كعب، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد، وأخذ سيفه رجل من بني دارم، وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله!!(4)
ويقول الطبري: وسُلب الحسين((ع)) ماكان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته وكانت من خزّ، وكان يسمّى بعد (قيس قطيفة)، وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بديل، ومال الناس على الورس والحلل والإبل وانتهبوها!!(5)
في مثير الأحزان: وأخذ درعه البتراء عمر بن سعد، وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي، وقطع إصبعه، وأخذ سيفه القلافس النهشلي، وقيل: جميع بن الحلق الاودي!!(6)
هجوم القوم على خيام آل الرسول((ص))!!
في الإرشاد: وسلبوا نساءه قال حميد بن مسلم: فوالله لقد كنت أرى المرأة من نسائه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الاخبار الطوال للدينوري: 259.
2 -تاريخ الطبري: 6/261.
3 -الكامل في التاريخ: 4/80.
4 - الإرشاد للمفيد: 224.
5 -تاريخ الطبري: 6/260.
6 -مثير الاحزان: 76.
«53»

وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها، حتى تُغلب عليه فيذهب به منها!!(1)
وقال الطبري: وما زال الناس على نساءالحسين وثقله ومتاعه، فإن كانت المرأة لَتُنازع ثوبها عن ظهرها حتى تُغلب عليه فيذهب به منها!!(2)
وقال ابن نما الحلّي: ثم اشتغلوا بنهب عيال الحسين((ع)) ونسائه حتى تُسلب المرأة مقنعتها من رأسها أو خاتمها من إصبعها أو قرطها من أذنها وحجلها من رجلها، وجاء رجل من سنبس إلى ابنة الحسين((ع)) وانتزع ملحفتها من رأسها، بقين عرايا تراوجهنّ رياح النوائب، وتعبث بهنّ أكفّ قد غشيهنّ القدر النازل....الخ.(3)
ثم أخرجوا النساء من الخيمة وأشعلوا فيها النار، فخرجن حواسر مسلّبات حافيات باكيات.... الخ.(4)
أصغر جندي في معركة الطف: كما سجّلت الطف شهداء لم يكن مثلهم في تاريخ جميع الحروب، فقد اشترك الشيوخ الطاعنون من صحابة و تابعين، والشباب من أهل البيت وغيرهم، كذلك اشترك الأطفال الصغار فيها، لينالوا الدرجات العالية عند الله، فقد سجّل لنا التاريخ أعظم الأثر في تلك الواقعة الرهيبة، فهذا عبدالله بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب ((ع))، عندما نظر إلى وحدة عمّه وسمع استغاثته تقدّم نحوه كما يصفه أحد الشهود في الواقعة بقوله: خرج غلام يشتدّ وكأنه البدر، وفي أذنيه درّتان،(5) فأهوى بحر بن كعب إلى الحسين بالسيف، فقال الغلام يا بن الخبيثة أتقتل عمّي؟!(6) إذ أهوى عليه بالسيف، فرفع الغلام يده، فضربه على يده، فقطعها إلى الجلد، فإذا يده معلّقة، فنادى الغلام يا أبتاهو وفي رواية الطبري يا أمّتاه، فأخذه الحسين((ع)) وضمّه إلى صدره، كما يتقدّم أصغر جندي إسلامي، ليخوض معركة الصراع بين الإسلام وخصومه، بين الحق والباطل، ويكون موقفه أعظم موقف شهدته الحروب وهو عبدالله الرضيع ابن الإمام الحسين((ع)):
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الإرشاد: 224، تحقيق مؤسسة آل البيت(ع) لاحياء التراث.
2 -الطبري: 6/260.
3 -مثير الأحزان: 76.
4 -اللهوف: 57.
5 -البداية والنهاية لابن الأثير: ج8، ص186.
6 -الطبري: ج6، ص259.
«54»

حمله أبوه الحسين((ع)) عندما أشرف على الموت من العطش، فتقدّم به إلى القوم، وهو مصفرّ اللون من الظمأ وقال:]يا قوم إن كنّا بزعمكم مذنبين فما ذنب هذا الرضيع؟ فقد جفّت محالب أمّه[، فلم يجد ((ع)) استجابة من هؤلاء الأوغاد الجفاة الذين طبع الشيطان على قلوبهم فأنساهم ذكر الله.
فرماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فأصاب نحره، فكانت صرخته من حرارة السهم صواعق تنصبّ على القوم، ولعنات تلاحقهم على تعاقب الأجيال ومرور السنين.
فسلامٌ على الحسين وعلى آل الحسين وأنصاره وعلى المتشهدين بين يديه.
من نعى الإمام الحسين ((ع)) في المدينة: في سنن الترمذي، عن سلمى قالت: دخلت على أمّ سلمة وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله ((ص)) - تعني في المنام- وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: مالك يارسول الله؟ قال: ]شهدتُ قتل الحسين آنفاً[(1).
قال اليعقوبي: وكان أول صارخة صرخت في المدينة، أمّ سلمة زوج رسول الله((ص)) كان دفع إليها قارورة فيها تربة، وقال لها:]إن جبريل أعلمني أن أمّتي تقتل الحسين[، وأعطاني هذه التربة وقال لي: ]إذا صارت دماً عبيطاً فاعلمي أن الحسين قد قُتل[، وكانت عندها، فلمّا حضر ذلك الوقت، جعلت تنظر إلى القارورة في كل ساعة، فلما رأتها قد صارت دماً، صاحت: واحسيناه! يا بن رسول الله((ص))! وتصارخت النساء في كل ناحية، حتى ارتفعت المدينة بالرجّة التي ما سمع بمثلها قطّ.(2)
وفي مسند أحمد، عن عمّار بن أبي عمّار عن ابن عبّاس، قال: رأيت رسول الله ((ص)) في المنام نصف النهار، أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت بأبي وأمي يا رسول الله ماهذا؟ قال:]هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم[. قال عمّار: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قُتل فيه.(3)
وفي تاريخ ابن عساكر وابن كثير: عن عليّ بن زيد بن جدعان قال: استيقظ ابن عبّاس

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -سنن الترمذي 13/193-194، ومستدرك الحاكم: 4/19، وسير النبلاء:3/:213، والرياض النظرة: ص148، وتاريخ ابن الأثير8/201، وتاريخ السيوطي: ص208، وتاريخ ابن عساكر: 726، وتهذيبه: 4/240.
2 -تاريخ اليعقوبي: 1/247-248.
3 -مسند أحمد: 1/242، و282، وفضائل أحمد الحديث:20و22و26، والمعجم للطبراني ج56، ومستدرك الحاكم 4/398، وسيرالنبلاء: 3/323، والرياض النظرة: 148، ومجمع الزوائد: 9/193و194، والتذكرة لسبط بن الجوزي: ص152.
«55»

من نومه فاسترجع، وقال: قُتل الحسين والله! فقال له أصحابه: لم يا بن عبّاس؟ فقال: رأيت رسول الله ((ص)) ومعه زجاجة من دم، فقال: ]أتعلم ما صنعت أمّتي من بعدي؟ قتلوا الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله[. فكتب ذلك اليوم الذي قال فيه وتلك الساعة، فما لبثوا إلاّ أربعة وعشرين يوماً حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قُتل((ع)) في ذلك اليوم وفي تلك الساعة.(1)
وسيعلم الذين ظلموا آل محمد أي منقلب ينقلبون، والعاقبة للمتّقين، فسلامٌ عليه يوم ولد، ويوم استشهد مظلوماً، ويوم يُبعث حيّاً مطالباً بمظلوميّته...!!
الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (ع)
الاسر:
عشية اليوم الحادي عشر من الحادي من المحرم سنة 61ه

]يا أهل الكوفة!! أتدرون أيّ كبد لرسول الله فريتم؟! وأي دم له سفكتم؟! وأيّ كريمة له أبرزتم؟! وأيّ حرمة له انتهكتم؟! أفعجبتم أن مطرت السماء دماً!! ولَعَذاب الآخرة أخرى وهم لايُنصرون[!
من خطبة العقيلة آل الرسول]ص[ ألقتها في شوارع مدينة الكوفة

]ماذا تقولون اذ قال النبيّ لكم ----- ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم

بعترتي وبأهلي بعد منقلبي ----- منهم أسارى ومنهم ضُرِّجوا بدم

ما كان هذا جزائي اذ نصحتُكُم ----- أن تخلفونني بسوء في ذوي رحمي[
الامام زين العابدين علي بن الحسين (ع)
وهناك روايات عن أم سلمة وغيرها، أنهم سمعوا نوح الجن على الحسين (ع) وهم يقولون:
يأيها القاتلون جه حسيناً ----- أبشروا بالعذاب والتنكيل

كل أهل السماء يدعو عليكم ----- ونبي ومرسل وقبيل

د لعنتم على لسان بن داوود ----- وموسى وصاحب الإنجيل(2)
لمّا وضعت الرؤوس بين يدي يزيد بن معاوية قال يحيى بن الحكم أخو مروان بن الحكم، وكان من حضّار يزيد:
لهما بجنب الطفّ أدني قرابه ----- من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -تاريخ ابن كثير: 8/200، وتاريخ ابن عساكر: 723-72.
2 - تاريخ ابن كثير 8/201، وسير النبلاء3/214، وتاريخ السيوطي ص 208، وتاريخ ابن عساكرص733-739.
«56»

سمية أمسى نسلها عدد الحصى ----- وبنت رسول الله ليس لها نسل



فضرب يزيد فى صدر يحيى وقال اسكت.(1)
يالها من ليلة مرت على حرائر رسول الله(ص) بعد ذلك العز الشامخ الذي لم يفارقهن منذ أوجد الله كيانهن، فلقد كن بالامس في سرادق العظمة وأخبية الجلالة تشعّ نهارهاشمس النبوة ويضيء ليلها سراج الإمامة وإذا بهنّ في هذه الليلة المرعبة في حلك دامس بين فقد الاحبة والأنوار الساطعة وبين رحل منتهب وخباء محترق وفرق سائد، وعطش قاتل، وحماة صرعى، لا محام لهنّ ولا كفيل، ولامت يدفع عنهنّ إذا دهمهنّ داهم.
لقد عمّ الاستياء فى هذه الليلة عالم الملك والملكوت، وللحور في غرف الجنان صراخ وعويل وللملائكة بين اطباق السموات نشيج ونحيب، وندبته الجنّ في مكانها.(2)
بقى جسد الحسين عليه السلام عارياً على صعيد كربلاء ثلاثة أيام، فقد ذكر ارباب التاريخ: اظلمّت الدنيا ثلاثة (3)، واسودّت سواداً عظيماً(4). حتى ظنّ الناس أن الناس القيامة قامت (5) وبدت الكواكب نصف النهار(6) . وأخذ بعضها يضرب

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تاريخ الطبري: ط اروبا 2/377.
2 - آكام الجان للحنفي:ص 146، وتاريخ ابن عساكرج 4، ص341، ومجمع الزوائد لابن حجرج 9، ص 199، وتاريخ الخلفاء للسيوطي.
3 - تاريخ ابن عساكر: ج 47 ص339، والخصائص الكبرى: ج 2،ص126، والصواعق المحرقة: ص116، والخطط المقريزيّة: ج2، ص289، وتذكرة الخواص: ص155.
4 - الإتحاف بحبّ الأشراف: ص24، وتهذيب التهذيب: ج 2، ص354، وتاريخ ابن عساكر: ج4، ص339، والمنتظم لابن الجوزى: ج7، ص244، حوادث سنة 399.
5 -الصواعق المحرقة: ص116، والاتحاف: ص24.
6 - تهذيب التهذيب ج1ص3547 والصواعق المحرقة: ص1167 ومقتل الخوارزمي: ج27 ص89.
«57»

بعضاً(1) . ولم يُر نور الشمس(2) ودامت الدنيا على هذا ثلاثة ايام(3). ولا غرابة في اضمحلال نور الشمس في تلك الفترة التي كان فيها جسد سيد الشهداء (ع) عارياً على صعيد كربلاء، اذ هو العلّة فى مجرى الكون، لمّا عرفت من اشتقاق من الحقيقة المحمدية التي هي علّة العلل، وحديث عرض الولاية على الموجودات فمن قبل، عمّت فائدته ومن أبن عرّي عن الفائدة عن الفائدة، يؤكّد ذلك.
بلى، لقد تغيّرت اوضاع الموجودات واختلفت الكائنات فبكته الوحوش وجرت دموعها رحمة له! فقد قال أمير المؤمنين (ع): ]بأبي وأميّ الحسين المقتول بظهر يالكوفة، والله كأني أنظر إلى الوحوش مادّة أعناقها على قبره تبكيه لي حتى الصباح[(4)
ومطرت السماء دماً(5)، فاصبحت الحباب والجرار وكل شيء ملآن دماً.(6)وحتى بقي أثره على البيوت والجدران مدّة.(7)
ولما دخل الراس المقدس إلى قصر الامارة ]في الكوفة[سالت الحيطان دماً(8)وخرجت نار من بعض جدران قصر الامارة وقصدت عبيدالله بن زياد

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الإتحاف بحب الأشراف: ص24، والصواعق المحرقة: ص116، وتاريخ ابن عساكر: ج4،د ص339، وتاريخ الخلفاء ص138، والكواكب الدريّة: ج1، ص56.
2 - مجمع الزوائد: ج9، ص197، وتاريخ الخلفاء: ص 138، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص89.
3 - كامل الزيارات: ص77.
4 -كامل الزيارات لابن قولويه: ص 80.
5 -الخصائص الكبرى: ج2، ص126، وتاريخ ابن عساكر: ج4، ص339، وتذكرة الخواص: 155، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص89، والخطط المقريزية: ج2، ص989، والاتحاف بحب الاشراف: ص255، والصواعق المحرقة: ص116، والمناقب لابن شهرآشوب: ج2، ص206، وص182، والكامل لابن الاثير: ج7، ص29، والنجوم الزاهرة: ج2، ص222، وكنز العمّال: ج4، ص291، رقم5868.
6 - الخصائص الكبرى: ج2، ص126. |
7 - تاريخ ابن عساكر: ج4، ص339، والصواعق المحرقة: ص116.
8 -مجمع الزوائد للهيثمي: ج9، ص196، والخصائص الكبرى: ج2، ص125، وتاريخ الخلفاء: ص138، والعقد الفريد: ج2، ص315، والكواكب الدريّة للمنّاوي: ج1، ص56، ومقتل االخوارزمي: ج2، ص90.
«58»

فقال لمن حضر عنده أكتمه.(1)وولى هارباً، فتكلّم الرأس الشريف بصوت جهوريّ: ]إلى أين تهرب ياملعون؟ فإن لم تنلك في الدنيا، فهي في الآخرة مثواك [ولم يسكت الرأس حتى ذهبت النار، فأدهش من في القصر(2). ومكث الناس شهرين أو ثلاثة يرون الجدران ملطّخة بالدم ساعة تطلع الشمس وعند غروبها.(3)
ولاغرابة في كل هذه وغيرها، فإن شهادته (ع) حفلت بالكثير من خوارق العادة، أراد الله تعالى إعلام الأمة الحاضر والاجيال المتعاقبة، الواقفين على هذه الملحمة التي لم يأت الدهر بمثلها على ما استعمله الأمويّون من قساوة مع آل رسول الله(ص).
ولم يمسّ أحد من الزعفران الذي نهبوه الا احترق البدن وعاد الورس رماداً والابل المنهوبة صار لحمها مثل العلقم، وكانوا يرون النار تخرج منها(4)ولم تعرف الحمرة في السماء الايوم قتل الحسين.(5)
قال سبط ابن الجوزي كل واحد من الناس إذا غضب، أثر الغضب في وجهه، ولما تنزّه (الحق) جلّ شأنه عن الجسمية أظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الأفق اظهاراً لعظيم الجناية، ثم قال: لقد منع النبي (ص) من النون أنين عمّه العباس بن عبدالمطلب لمّا أسر يوم بدر وأوثق كتافاً، فكيف به لو يسمع أنين الحسين عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مجمع الزوائد: ج9، ص196، والكامل لابن الاثير: ج4، ص103، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص87، والمنتخب للطريحي: ص338.
2 -شرح قصيدة ابى فراس: 149.
3 -الكامل: ج6، ص37، والكواكب الدريّة: ج1، ص56، وتذكرة الخواصّ: 155.
4 -الخصائص الكبرى: ج2، ص126، وتاريخ ابن عساكر: ج4، ص339، وتهذيب التهذيب: ج2، ص354، ومجمع الزوائد: ج9، ص96، والكواكب الدرية: ج1، ص56، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص90.
5 -الصواعق المحرقة: 116.
«59»

السلام؟

ولمّا أسلم وحشي قاتل حمزة قال له النبي(ص): ]غيّب وجهك عنّي فإني لا أحب أن أرى قاتل الأحبّة[، مع أن الإسلام يجبّ ما قبله، فكيف به لو يرى من ذبح ولده وحمل أهله على اقتاب الجمال.(1)
الساعات التي أعقبت الشهادة:
قال أرباب التاريخ: لمّا قتل أبو عبدالله الحسين(ع) مال الناس على ثقله ومتاعه وانتهبوا ما في الخيام، وأضرموا النارفيها، وتسابن القوم على سلب حرائر الرسول (ص) ففررن بنات الزهراء (ع) حواسر مسلّبات باكيات، وإن المرأة لتسلب مقنعتها من رأسها،د وخاتمها من أصبعها، قرطها من أذنها والخلخال من رجلها، أخذ رجل قرطين لام كلثوم، وخرم اذنها، وجاء آخر إلى فاطمة بنت الحسين وانتزع خلخالها وهو يبكي قالت له: مالك؟ فقال: كيف لا ابكي وانا اسلب ابنة رسول الله؟ قالت له: دعني، قال: أخاف أن يأخذ غيري.(2)
وانتهى القوم إلى علي بن الحسين (ع) وهو مريض على فراشه لا يستطيع النهوض، فقائل يقول: لا تدعوا منهم صغيراً ولا كبيراً، وآخر يقول: لا تعجلوا حتى نستشير الامير عمر بن سعد، وجرّد الشمر سيفه يريد قتله، فقال له حميد بن مسلم:
يا سبحان الله أتقتل الصبيان؟ انما هو صبيّ مريض، فقال: ان ابن زياد أمر بقتل اولاد الحسين(3)ونادى ابن سود: ألا من ينتدب إلى الحسين فيوطىء الخيل صدره وظهره، فقام عشرة منهم إسحاق بن حويّة، والاحبش بن مرثد وغيرهما من الاوغاد.... فداسوا جسد ريحانة رسول الله (ص).
قال البيرونى: لقد فعلوا بالحسين ما لم يفعل في جميع الامم بأشرار الخلق من القتل بالسيف والرمح والحجارة.وإجراء الخيول(4)
فليت أكفاً حاربتك تقطّعت ------ وأرجل بغي جاولتك جُذام

يوخي غدت تردى عليك جوارياً ----- عُقرت فلا يُلوى لهنّ لجام

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -تذكرة الخواصّ: ص154، والصواعق المحرقة: 116.
2 -امالي الصدوق: ص99، مجلس 31، وسيراعلام النبلاء للذهبي: ج2، ص204.
3 -رياض المصائب: ص341، وتاريخ الطبري: ج6، ص260، وتاريخ القرماني: ص108.
4 -الآثار الباقية: ص329، ط ليدن.
«60»

وأمر ابن سعد بالرؤوس فقطعت، واقتسمتها القبائل لتتقرّب بها إلى ابن زياد، فجاءت كندة بثلاثة عشر، وصاحبه قيس بن الاشعث، وجاءت هوازن باثني عشر، وصاحبهم شمر بن ذى الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر، وبنو أسد بستّة عشر، ومذحج بسبعة، وجاء آخرون بباقي الرؤوس، ومنعت عشيرة الحرّ الرياحي من قطع رأسه ورضّ جسده. وسرّح ابن سعد فى اليوم العاشر، رأس الحسين مع خوليّ بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم الازدي، وسرّح رؤوس أهل بيته وصحبه مع شمر وقيس بن الاشعث وعمرو بن الحجّاج.
وكان منزل خوليّ على فرسخ من الكوفة، فأخفى الرأس عن زوجته الأنصاريّة لما يعهده من موالاتها لاهل البيت(ع) إلا أنّها لما رأت من التنّور نوراً راعها ذلك، اذ لم تعهد فيه شيئاً، فلما قربت منه، سمعت أصوات نساء يندبن الحسين بأشجى ندبة، فحدّثت زوجها وخرجت باكية ولم تكتحل ولم تتطيّب، حزناً على الحسين. وجاء في البداية والنهاية لابن الاثير: إن زوجته رأت النور يسطع من تحت الإجانة إلى السماء، وطيوراً بيضاء ترفرف حولها، وإن زوجته الاخرى نوار بنت مالك قالت له: اتيت برأس ابن رسول الله (ص) لا يجمعني وإيّاك فراش أبداً ثم فارقته.(1) وعند الصباح غدا بالرأس الشريف إلى قصر الإمارة، وقد رجع ابن زياد في ليلته من معسكره بالنخيلة، فوضع خوليّ الرأس الشريف بين يديه، وهو يقول:
املأ ركابي فضّة أو ذهبا ------ إنّي قتلتُ السيّد المحجّبا

وخيرهم من يذكرون نسبا ------ قتلتُ خير الناس أماً وأباً

فساء ابن زياد قوله امام الجمع، فقال له: اذا علمت أنه كذلك فَلِمَ قتلته؟ والله لا نلت مني شيئاً.(2)
سوق آل رسول الله (ص) من كربلاء إلى الكوفة

اليوم الحادي عشر من المحرم سنة 61هـ

لمّا سيّر ابن سعد الرؤوس إلى الكوفة، امام مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي لعشر من المحرم، فجمع قتلاه، وصلى عليهم ودفتهم، وترك جسد سيّد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول الاكرم (ص) ومن معه من أهل بيته وصحبه بلا غسل ولا كفن ولا دفن، تسفي عليهم ريح الصبا.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - البداية والنهاية لابن الاثير: ج8، ص190، واللهوف: ص81، وانساب الاشراف للبلاذري: ج5، ص238.
2 - مرآة الجنان لليافعي: ج1، ص133: إن ابن زياد غضب عليه وقتله، ولم يسمّ حامل الرأس، وفي العقد الفريد، ج2، ص133 قتله ابن زياد لذلك.
«61»

وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساء الحسين (ع) وصبيته وجواريه، وعيالات الأصحاب، وكنّ عشرين امرأة(1) وسيّروهن على أقتاب الجمال بغير وطاء كما يساق سبي الترك والروم، وهنّ ودائع خير الانبياء، ومعهنّ السجّاد علي بن الحسين وعمره ثلاث وعشرون سنة(2)وهو على بعير ظالع بغير وطاء، وقد أنهكته العلة(3) ومعه ولده الباقر(4)وله سنتان وشهور(5)ومن اولاد الإمام الحسن يالمجتبى زيد وعمرو والحسن المثنى، فانه أخذ اسيراً بعد أن قتل سبعة عشر رج، واصابته ثمان عشرة جراحة، وقطعت يده اليمنى، فانتزعه اسماء بن خارجة الفزاري لان أمّ المثنّى فزاريّة - فتركه ابن سعد له(6)وكان معهم عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الحسين(ع) ولمّا أُخبر ابن زياد بأنه مولى للرباب خلّى سبيله، وأخبر ابن زياد بأن المرقّع بن ثمامة الاسدي نثر نبله وقاتل، فآمنه قومه وأخذوه فأمر بنفيه إلى الزرارة.(7)
فقلن النسوة: بالله عليكم الا ما مررتم بنا على القتلى، ولما نظرت إليهم مقطعي الاوصال، قد طعمتهم سمر الرماح، ونهلت من دمائهم بيض الصفاح، وطحنتهم الخيل بسنابكها، صحن ولطمن الوجوه(8)وصاحت زينب: ]يا محمّداه هذا حسين بالعراء مرمّل بالدماء، مقطّع الاعضاء، وبناتك سبايا وذريّتك مقتّلة[، فابكت

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -نفس المهموم: ص204، ومستدرك الوسائل للنوري: ج2، ص234.
2 - نسب قريش لمصعب الزبيري: ص58.
3 - الإقبال لابن طاووس: ص54.
4 - رياض الأحزان: ص49، وإثبات الوصيّة للمسعودي: ص143.
5 - المصدر السابق.
6 -البحار: ج10، ذكر أولاد الحسن (ع)، واسعاف الراغبين: ص28.
7 -تاريخ الطبري: ج6، ص261، والكامل لابن الاثير: ج4، ص33، والزارة: قرية بالبحرين.
8 - مثير الأحزان لابن نما: ص41، واللهوف: ص74، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص39.
«62»

كل عدو وصديق.(1)
وأمّا علي بن الحسين (ع) فإنه لما نظر إلى أهله مجزّرين وبينهم مهجة الزهراء بحالة تنفطرلها السماوات وتنشقّ لها الأرض، وتخرّ الجبال هدّاً، عظم ذلك عليه واشتدّ قلقه، فلمّا تبينت ذلك منه زينب الكبرى بنت علي (ع) أهمّها أمر الإمام: ]مالي اراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي، فوالله ان هذا العهد من الله إلى جدّك وأبيك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون فيى اهل السموات أنهم يجمعون هذه الاعضاء المقطّعة والجسوم المضرجّة فيوارونها وينصبّون بهذا الطف علماً لقبرأبيك سيّد الشهداء لا يُدرس اثره ولا يمحى رسمه على كرور الليالي، والايام، وليجتهدنّ أئمّة الكفر وأشياع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره الاعلواً.(2)
وأتاهنّ زجر بن قيس، وصاح بهنّ فلم يقمن، فأخذ، يضريهن بالسوط، واجتمع عليهنّ الناس حتى أركبوهنّ على الجمال.(3)وركبت العقيلة زينب ناقتها، فتذكّرت ذلك العزّ الشامخ والحرم المنيع الذي تحوطه الليوث الضواري الأباة من آل عبدالمطلب، وتحفّه السيوف المرهفة والرماح المثقّفة، والاملاك تخدمها فيه فلا يدخلون الا مستأذنين.
بنات الرسالة فى الكوفة:
وما أُدخلت بنات أمير المؤمنين إلى الكوفة، اجتمع أهلها للنظر إليهم، فصاحت أم كلثوم (زينب الكبرى): ]يا أهل الكوفة!!، أما تستحون من الله ورسوله أن تنظروا إلى حُرَم النبي(ص)؟![(4) وقد أخذ الناس يضجّون بالبكاء والعويل.
خطبة زينب في أهل الكوفة:
يقول الراوي: لا أومأت زينب ابنة عليّ(ع) إلى الناس: فسكت الأنفاس والأجراس، فعندها اندفعت بخطابها مع طمأنينة نفس، وثبات جأش، وشجاعة حيدريّة، فقالت(س): ]الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآل الطيبين الاخيار، أمّا بعد يا أهل الكوفة،يا أهل الختل والغدر، أتبكون فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، انام يمثلكم كمثل التي نقضت غزلها بعد قوّة انكاثاً، تتّخذون أيمانكم دخ بينكم، ألا

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الخطط المقريزيّة: ج2، ص280.
2 -كامل الزيارات: ص261، باب 88.
3 - تظلّم الزهراء: ص177.
4 -الدمعة الساكبة: ص364.
«63»

وهل فيكم الا الصلف والنطف، والعجب والكذب والشنف، وملق الإماء، وغمز الاعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كفضّة على ملحودة، ألا بئس ماقدمت لكم انفسكم، ان سخط الله عليكم، وفى العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون، إي يوالله فأبكوا كثيراً، واضحكوا قلي، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسل بعدها ابداً، وأنّى ترحضون، قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة، ومده حجتكم لومنار محجّتكم، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، وسيّد شباب اهل الجنة، ألا ساء ما تزرون... فلا يستخفنكم المهل، فإنه لا يحفّزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، وإن ربّكم لبالمرصاد.(1)
وقد أحدث كلامها ايقاضاً في الأفئدة ولفتة في البصائر وأخذت خطبتها من القلوب مأخذاً عظيماً، وعرفوا عظيم الجناية، فلا يدرون مايصنعون، وقد استولى الذهول عليهم كأن الطير على رؤوسهم.
وخطبت فاطمة بنت الحسين(ع) بعد عمّتها زينب (ع) وقد ارتفعت الاصوات بالبكاء والنحيب وقالو حسبك يا ابنة الطاهرين فقد حرقت قلوبنا، لوانضجت نحورنا، واضرمت أجوافنا فسكتت، ثم خطبت أم كلثوم (زينب الكبرى) (ع) خطبة ألهبت مشاعر الناس، فضجّ الناس بالبكاء ونشرت النساء شعورهن، وخمشن الوجوه، ولطمن الخدود، ودعون بالويلوالثبور، فلم يُر ذلك اليوم أكثر باك منه.
وجيء بعليّ بن الحسين على بعير ضالع والجامعة في عنقه ويداه مغلولتان إلى عنقه، واوداجه تشخب دماً، فكان يقول:
]يا أمة السوء لا سقياً لربعكم ----- يا أُمّة لم تراع جدّنا فينا

لو أنّنا ورسول الله يجمعنا ----- يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيّرونا على الاقتاب عارية ---- كأنّنا بم نشيّد فيكُمُ دينا[
وأومأ إلى الناس ان اسكتوا، فلمّا سكتوا حمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي فصلى عليه ثم قال:
]يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، أنا ان من انتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير وحل ولا ترات، أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخراً، إلى آخر خطبته
قال الطبري: ذكر اهل التاريخ: ان سيّد الشهداء أفرد خيمة في حومة الميدان، وكان يأمر بحمل من قتل من صحبه وأهل بيته اليها، وكلما يؤتى بشهيد يقول (ع) قتله

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - آمالي الشيخ الطوسي، واللهوف، وابن نما، وابن شهرآشوب، والاحتجاج للطبري.
«64»

مثل قتل النبييّن وآل النبيّين(1)الاأخاه أبا الفضل العبّاس (ع) تركه في محل سقوطه قريباً من شط الفرات.(2)
ظهور الكرامات العظيمة بعد واقعد الطف الاليمة:
1 - ينقل المؤرّخون: وحدّث رجل من بني اسد، أنه أتى المعركة بعد ارتحال العسكر، فشاهد من تلك الجسوم المضرجّة انواراً ساطعة، وروائح طيّبة، ورأيذاسداً هائل المنظر، يتخطّى تلك الأشلاء المقطّعة، حتى اذا وصل إلى هيكل القداسة وقربان الهداية تمرّغ بدمه، ولاذ بجسده، وله همهمة وصياح فأدهشه الحال، اذ لم يعهد مثل هذا الحيوان المفترس يترك ما هو طعمة امثاله، فاختفى في بعض الاكم لينظر ما يصنع، فلم يظهر له غير ذلك الحال، وممّا زاد في تحيّره يوتعجّبه، انه عند انتصاف الليل رأى شموعاً مسرجة ملأت الارض وبكاءاً وعوي مفجعاً.(3)
2 - فى اليوم الثالث عشر من المحرّم أقبل زين العابدين لدفن ابيه الشهيد (ع)، لان الامام لا يلي أمره الا امام مثله (4).ففي مناظرة الرضا(ع) مع عليّ بن أبي حمزة فإن أبا الحسن (ع) قال له: ]اخبرنى عن الحسين بن عليّ، كان إماماً[؟ قال: بلى، فقال الرضا (ع): ]فمن وُلّي أمره؟[ قال ابن ابى حمزة: تولاه عليّ بن الحسين السجاد، فقال الرضا(ع):]فأين كان عليّ بن الحسين؟ قال ابن ابى حمزة: كان محبوساً بالكوفة عند ابن زياد ولكنّه خرج وهم لا يعلمون به حتى ولّي أمر ابيه، ثم انصرف إلى السجن. فقال الرضا(ع): ]إن من مكّن علي بن الحسين ان يأتي كربلاء فيلى أمر ابيه ثم ينصرف يمكّن صاحب الامر أن يأتي بغداد، فيلي أمر ابيه وليس هو في حبس ولا أسار.[
3 - لمّا رجع ابن زياد من معسكره بالنخيلة، ودخل قصر الامارة ووضع امامه الراس

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تاريخ الطبري: ج6، ص256، والكامل لابن الاثير: ج4،ص30.
2 - قمر بني هاشم للمقرّم: ص115، ط الحيدرية في النجف الاشرف.
3 -مدينة المعاجز: ص263، باب 127.
4 -إثبات الوصيّة للمسعودي: ص173، وراجع المحتضر للحسن بن سليمان الحلي: ص22، ط النجف، والمقالات للمفيد، ص84، ط طهران، والكراجكي فى كنز الفوائد والمجلس في مرآة العقول، ج1، ص373، ومنهج الرشاد،لكاشف الغطاء، ص51، ودار السلام للثوري، ج1، ص289.
«65»

المقدّس سالت الحيطان دماً.(1)
4 - قال زيد بن ارقم: كنت في غرفة لي فمرّوا علي بالرأس (رأس الحسين) وهو يقرأ: (أم أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً) فوقف شعري وقلت: والله يا ابن رسول الله رأسك أعجب وأعجب.(2)
5 - ولما نصب الرأس المقدّس في موضوع الصيارفة ،وهناك لغط المارةو ضوضاء المتعاملين: فأراد سيّد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليسمعوا بليغ عظاته، فتنحنح الرأس تنحنحاً عالياً، فاتّجهت إليه الناس، واعترتهم الدهشة، حيث لم يسمعوا رأساً مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين (ع) فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى:(إنهم يفتية آمنوا بربّهم وزدناهم هد ولا نزد الظالمين الا ضلا) وصلب على شجرة فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع فأخذ يقرأ:(وسيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون)(3)
ي6 - قال هلال بن معاوية: رأيت رج يحمل رأس الحسين(ع) والرأس يخاطبه:]فرقت بين رأسي وبدني، فرّق الله بين لحمك وعظمك، وجعلك آية يونكا للعالمين[ فرفع السوط وأخذ يضرب الرأس حتى سكت.(4)
7 - وسمع سملة بن كهيل الرأس يقرأ وهو على القناة:(فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم)(5)
8 - ويحدّث ابن وكيدة: انه سمع الراس يقرأ سورة الكهف، فشك في أنه صوته أو غيره فترك (ع) القراءة، والتفت اليه يخاطبه:]يابن وكيدة أما علمت أنا معشر الائمة أحياء عند ربهم يرزقون[؟ فعزم على ان يسرق الرأس ويدفنه واذا الخطاب من الراس الازهر:]يا بنو وكيدة ليس إلى ذلك من سبى، ان سفكهم دمي اعظم عند الله من تسييري على الرمح فذرهم فسوف يعلمون اذ الاغلال في اعناقهم والسلاسل

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -فيى لطائف المعارف للثعالبي: ص142، ب9، وتاريخ الخلفاء: ص139، وتذكرة الخلفاء: ص48، ط ايران.
2 -الخصائص الكبرى: ج2،ص125، والكامل لابن الاثير: ج4، ص24، والبداية لابن كثير: ج8، ص191، والخطط المقريزيّة: ج2، ص288.
3 -ابن شهرآشوب: ج2، ص188.
4 -شرح قصيدة ابي فراس: ص148.
5 - اسرار الشهادة: ص488.
«66»

يُسحبون.(1)
9 - ولما أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم، حيث انكر عليه فعلته، نطق الرأس الشريف بصوت رفيع:]لا حول ولا قوة الا بالله[(2).
ي10 - وحدّث ابن لهيعة: انه رأى رج متعلقاً باستار الكعبة يستغيث بربه ثم يقول: يولا أراك فاع فأخذته ناحية، وقلت ان لمجنون؟! فإن الله غفور رحيم، ولو كانت ذنوبك عدد القطر لغفرها لك، قال لي: اعلم كنت ممن سار برأس الحسين إلى الشام فاذا أمسينا وضعنا الرأس وشربنا حوله، وفي ليلة كنت أحرسه واصحابي رقود، فرأيت برقاً وخلقاً أطافوا بالرأس ففيعت وأدهشت ولزمت السكوت، فسمعت بكاء ييوعوي وقائ يقول:(يا محمد ان الله امرني أن اطيعك فلو امرتني ان ازلزل بهؤلاء الارض كما فعلت بقوم لوط)، فقال له: ]يا جبرئيل ان لي موقفاً معهم يوم القيامة بين يدي ربي سبحانه[(3).
يقول الراوي: لما وضح لابن زياد ولولة الناس ولغط اهل المجلس، خصوصاً لما تكلّمت معه زينب العقيلة، خاف هياج الناس، فأمر الشرطة بحبس الاسارى في دار إلى جنب المسجد الاعظم.(4) ودعا بهم ابن زياد مرة اخرى، فلما أدخلوا عليه،د رأت النسوة رأس الحسين بين يديه، والانوار الالهية تتصاعد من اسارير إلى عنان السماء، فلم تتمالك الرباب زوجة الحسين(ع) الاان وقعت عليه وتقبّله.
قال حميد بن مسلم.... فاجتمعوا في الجامع الاعظم، ورقى ابن زياد المنبر فقال: الحمد لله الذي اظهر الحق وأهله ونصر امير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته(5).فلم ينكر عليه احد من اولئك الجمع الذي غمره الضلال الا عبدالله بن عفيف الازدي، وقال يا بن مرجانة الكذاب وابن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبو، يابن مرجانة أتقتلون أبناء النبييّن وتتكلمون بكلام الصدّيقين؟!(6)فقال ابن زياد: من هذا المتكلم؟ قال ابن عفيف: انا المتكلم

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -شرح قصيدة ابي فراس: ص148.
2 -مقتل العوالم: ص151.
3 - اللهوف: ص98.
4 - اللهوف: ص91، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص43.
5 -ابن الاثير في الكامل: ج1، ص34.
6 -الطبري: ج6، ص263.
«67»

يا عدو الله تقتلون الذرية الطاهرة التى اذهب عنهم الرجس وتزعم انك على دين الاسلام، واغوثاه!! أين اولاد المهاجرين والانصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين؟ فازداد غضباً ابن زياد، وقال عليّ به فقامت اليه الشرطة، فناديابن عفيف بشعار الازد (يامبرور) فوثب اليه عدد كثير من حضر الازد وانتزعوه وأتوا به أهله.... وبعد أن تكاثروا عليه أخذوه وأتوا به إلى ابن زياد، فقال الحمد لله الذى أخزاك، قال ابن عفيف: وبماذا اخزاني؟

والله لو فرّج لي عن بصرى ----- ضاق عليكم موردي ومصدري

فأمر ابن زياد بضرب عنقه وصلبه في آلسبخة(1) لما احضر ابن زياد السبايا في مجلسه أمر باحضار المختار وكان محبوساًعنده يوم قتل مسلم بن عقيل، فلما رأى المختار هيئة منكرة، زفر زفرة شديدة، وجرى بينه وبين ابن زياد كلام أغلظ فيه المختار فغضب ابن زياد، وارجعه إلى الحبس ويقال ضربه بالسوط على عينه فذهبت.(2)
ولم يقف حقد ابن زياد وقساوته واسلوبه الوحشي إلى حد، بل راح يطوف في اليوم الثاني برأس الحسين (ع) في شوارع الكوفة، يرهب أهلها ويتحدّى روح المعارضة والمقاومة فيها. أُعيد الرأس الشريف إلى القصر، ليأخذ طريقه إلى الشام نجماً يتألق في هام الرماح، وشعاراً لا يهبط من علياء المجد، ووساماً يزيّن صدر التاريخ.(3)
التحق ركب النساء والاطفال والسجاد علي بن الحسين الذي وضعت السلاسل بيده، وجمعت إلى عنقه، وحملوا جميعاً على اقتاب الابل التي كانت بغير وطاء(4) التحقوا بموكب الرؤوس الذي سبقهم في المسير وراحوا يسيرون سواء إلى جنب رأس الحسين (ع) اى دمشق عاصمة الخلافة بناءً على اوامر صادرة من يزيد بن معاوية كتبها في رسالة إلى ابن زياد، قال فيها:.... سرّح الاسارى

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مثيرالاحزان: 5، واللهوف: ص92، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص53، ومختصر القصة في تاريخ الطبري: ج6، ص263.
2 -رياض الاحزان: ص52، والاعلاق النفيسة لابن رسته: ص224.
3 -الكامل في التاريخ: ج4، ص83.
4 -المصدرالسابق، والفتوح لاعثم الكوفى:ج 3، ص147.
«68»

اليّ(1)فقد اراد هذه المرة ان ينفّس عن حقده الاسود ومعدنه القذر برؤيته عائلة رسول الله (ص) الذي تكرّم باطلاق أبيه جدّه يقفون امامه وهم مقرّنون بالقيود والسلاسل.
الرؤوس تتقدّم المسيرة، والسجّاد وزينب (ع) وباقي النساء والاطفال يُساقون قسراً خلف رأس الحسين(ع)، والقلوب تحوم حوله، والنفوس تذوب أسىً ولوعة لمنظره الفجيع.
اختلفت الاقوال فى تحديد اليوم الذي انفصل فيه ركب آل محمد(ص) من الكوفة إلى الشام، كما اقتضت سياسة الحكام الامويين ذلك. كما اختلفت الاقوال في يوم ورودهم إلى الكوفة، فقد ذهبت بعضهم إلى القول بأنهم لم يمكثوا اكثر من اسبوع لان ابن زياد أحسّ بالفشل فى سياسته، وجابه مصادمات عنيفة سيّما مع الازد الذين هبّوا لنصرة عبدالله بن عفيف الازدي وقد ذهبت مقتله عظيمة من الازد ومضر الذين انتدبهم ابن زياد لمقاتلتهم، سعياً لاخذ ابن عفيف أسيراً إلى قصر الامارة. كما اشتدّت عليه مطالبة القواد جوائزهم التي وعدهم بها عند قتلهم الحسين(ع). وكانت اموال طائلة تعجز خزينة الكوفة عن تسديدها فقرّر أن يرسل أولئك القوم إلى يزيد يقدمهم قاتل الحسين(ع) الذي ارتجز امام ابن زياد بقوله:
املأ ركابي فضة أو ذهبا ----- اني قتلت السيد المحجّبا

قتلت خير الناس أماً وأباً

وعلى اي حال فالركب بم يطل مكثه في الكوفة، لانها اصبحت غير مستقرة، فالنساء العربيات أقمن النياحة على الحسين، وأنكرن على زواجهن فعلهم الدسيس وجبنهم الخسيس كما تقابلها النياحات على من فقد من جيش الكوفة وهم كثرة.
وسار ركب آل محمد (ص) وليس فيه من نساء الانصار الذين جاهدوا م الحسين (ع) اذ تشفّع كلّ بعيال من يتصل به. وبقيت عيال الرسول (ص) وهم يقطعون الفيافي والقفار.
ومن الامور المؤلمة أن الدعاية الاموية اتخذت خطة التمويه على الناس فأشاعوا هناك، أن جماعة من الخوارج خرجوا على الامير فقطعوا الطريق وقد انتصر عليهم الامير ابن زياد فأبادهم وسبى عيالهم وسيقدمون الشام.
فى عاصمة الامويين

خرجت الجموع من رجا ونساء واطفال مستقلبين حرم رسول الله(ص) أسارى، على انهم خوارج خرجوا على يزيد ابن الطلقاء كما شيّع الامويون واذنابهم ذلك. وقد وصل الركب الحزين، وأوقفوه عند باب الساعات مكث في خربة مدة من

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبري: ج4، ص354، والكامل: ج4، ص84.
«69»

الوقت، حتى يتم استعداد البلد الاظهار معالم الفرح والزينة. وازدحم الناس فى الطرقات وقابلوهم بكلمات نابية جارحة بسبب هذه الدعاية الاموية الوقحة، والتجرى على الرسول (ص) واهل بيته. واوضح موقف لذلك هو محاورة الرجل الشامي مع الامام زين العابدين(ع) عندما دنا منه، فاسمع الامام (ع) كلاماً يدلّ جهله بهم وبحالهم، فقال له الامام زين العابدين (ع) بلطف:]يا شيخ هل قرأت القرآن؟[ فقال: ما أنت والقرآن؟ فقال الامام:]أسألك هل قرأت هذه الآية: ((قل لا أسألكم عليه اجراً الا المودّة فى القربى))، فمن هم؟ قال: هم آل محمد، فقال الامام (ع):]نحن والله هم[، وهنا يقف الشيخ موقف الحيرة، ويجدع النظر فى وجه الامام ويقول: بالله عليك أنتم هم؟ قال الامام:]والله لنحن هم[، فأخذ الشيخ بالاعتذار من الامام وأظهر ندمه على ماواجه به الامامل السجّاد (ع).
توجّه الركب نحو مجلس يزيد، الذي ازدان بالاعلام الملونّة ومباهج الفرح والزينة واحتشد بالوفود المهنّئة بالظفر، وقد جلس يزيد والفرح ملأ أهابه، وقد انتهى كل شيء في طريق خلود السلطة وبقائها لآل أبي سفيان كما يتصوّر بعد تجاوز أخطر وأهم عقبة كأداء في طريقه وهو الامام الحسين(ع).
ابتهاجاً بقتل ابن بنت رسول الله(ص) وسبى ذريته وحمل رؤوس قتلاهم إلى دمشق عاصمة الحكم الاموي، فقد أمر يزيد بتزيين العاصمة وتعليق الزينة وتسيير مجامع من الراقصات فى الشوارع وهنّ يرقصن على وقع الطبول والدفوف.(1)
واجتاز موكب السبايا والرؤوس الشريفة شوارع المدينة حتى وصل إلى بلاط يزيد يالذي كان مزهواً بقتله للحسين، وقد وضع على رأسه تاجاً مكل بالدر والياقوت، ودعا اليه اشراف أهل الشام وأجلسهم حوله.(2)
ثم جيء برؤوس الشهداء يتقدّمها رأس الحسين (ع) وكان بيد يزيد قضيب، فجعل يضرب فم الحسين (ع)، فقال رجل من أصحاب رسول الله(ص)، يقال له أبو برزة الاسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربّما رأيت رسول الله (ص) يرشفه، أما أنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد شفيعه، ثم قام فولّى(3)
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مقتل الحسين للخوارزمي: ج2، ص60و61.
2 - المصدر نفسه، والطبرى: ج4، ص352، والفتوح لابن اعثم الكوفي: ج3، ص152.
3 -تاريخ الطبري: ج4، ص256، والكامل لابن الاثير: ج4، ص85، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص58، وابن كثير: ج8، ص192.
«70»

لقد طفح الفرح والابتهاج من قلوب بني امية وها هم قد ثأروا لقتلاهم يوم بدر خاصة ككما هو معلوم....، وقد ظل الحقد الاسود يلازمهم ويغلي في قلوبهم حتى وصل الامر إلى يزيد ما ان وضع رأس الحسين (ع) امامه حتى تمثّل بأبيات شاعر من مشركي قريش هو ابن الزبعرى، متحسّراً فيه على قتلى المشركين ببدر اذ قال:
ليت أشياخي ببدر شهدوا ----- جز الخزرج من وقع الاسل

لأهلّوا واستهلوا فرحاً ----- ثم قالوا يا يزيد لا تُشلّ

قال عامر الشعبي: وأضاف يزيد على تلك الابيات بيتين هما:
لعبت هاشم بالملك فلا ----- خبر جاءولا وحي نزل

لست من خندف ان لم انتقم ----- من بنى احمد ما كان فعل(1)
كما قلنا، فقد رافق وصول سبايا آل رسول الله(ص) إلى دمشق حملة اعلامية مظللة تقول: إن هؤلاء السبايا خوارج، خرجوا على الخليفة الشرعي يزيد، فقتلهم وجيء بنسائهم واطفالهم، واشاعوا ذلك بين الجماهير، وامروها باظهار معالم الزينة والفرح..... ولنعدّ الان إلى مجلس يزيد لنشاهد حدث فيه عندما أوقف علي بن الحسين (ع) مع السبايا بين يدي يزيد فقال له يزيد: اراد ابوك وجدّك ان يكونا اميرين، فالحمد لله الذي اذلهما وسفك دماءهما فقال علي بن الحسين(ع):]يا بن معاويه وهند وصخر، لم يزل آبائي واجدادي فيهم الامرة من قبل ان تولد، ولقد كان جدي علي بن ابى طالب رضى الله عنه يوم بدر وأحد والاحزاب فى يده راية رسول الله (ص)، وابوك وجدك في ايديهما رايات الكفار، ثم جعل علي بن الحسين يقول:
ماذا تقولون اذ قال النبي لكم ----- ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم

بعترتي وبأهلي بعد منقلبي ----- منهم اسارى ومنهم ضُرّجوا بدم

ماكان هذا جزائي اذ نصحتكم ------ ان تخلفوني بسوء في ذوى رحم

ثم قال علي بن الحسين:]ويلك يا يزيد، انك لو تدري ما صنعت وما الذي ارتكبت من أبي واهل بيتي واخي وعمومتي، اذاً لهربت في الجبال وفرشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور ان يكون رأس الحسين بن فاطمة وعلى منصوباً على باب المدينة وهو وديعة رسول الله (ص) فيكم فأبشر والندامة غداً اذا جمع الناس ليوم لا ريب فيه[
فالتفت حبر من احبار اليهود، وكان حاضراً وقال ليزيد: من هذا الغلام يا أمير المؤمنين؟ فقال هذا صاحب الرأس هو أبوه قال: ومن هو صاحب الرأس يا أمير المؤمنين؟ قال الحسين بن علي(ع) بن ابى طالب، قال فمن امه؟ قال: فاطمة بنت

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مقتل الخوارزمي: ج2، ص58، وتاريخ ابن كثير: ج8، ص192، والفتوح: ج3، ص150.
«71»

محمد (ص) فقال الحبر: ياسبحان الله هذا ابن بنت نبيكم قتلتموه في هذه السرعة؟ بئس ما خلفتموه في ذريته، والله لو خلّف فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه لكنا نعبده من دون الله، وانتم انما فارقكم نبيكم بالامس، فوثبتم على ابن نبيكم فقتلتموه، سوءة لكم من أمة، فأمر يزيد به فوُجيء بحلقه ثلاثاً، فقام الحبروهو يقول: ان شئتم فاقتلوني، وان شئتم فذروني، اني أجد فى التوراة: من قتل ذرية نبي، فلايزال مغلوباً أبداً ما بقي، فاذا مات يصليه الله نار جهنم(1)
خطبة العقيلة زينب (س)
روى المؤرخون خطبة للعقيلة زينب بنت علي (ع) خاطبت بها يزيد، وهو في بلاطه ينفس عن أحقاده رؤيتته أبناء رسول الله (ص) مكبّلين بالقيود والاصفاد، يلبسون الرث من الثياب، فقالت (س):
]الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ((ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوأى ان كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن))أظننت يا يزيد أنك أخذت علينا أقطار الارض وآفاق السماء، فاصبحنا نُساق كما تُساق الاسارى، أن بنا على الله هواناً وبك عليه كرامة، وإن ذلك لعظم خطرك عنده؟ فشمخت بأنفك ونظرت فى عطفك جذلان مسروراً، حين رأيت ييالدنيا لك مستوسقة والامر متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمه مه، أنسيت قول الله تعالى:((ولا تحسبنّ الذين كفروا انما نملي لهم خيراً انما نملي ليزدادوا اثماً ولهم عذاب مهين)) أمن العدل يا بن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإمائك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ تحدو بهنّ الاعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والدنيّ والشريف، ليس معهنّ من حماتهنّ حميّ، ولا من رجالهنّ وليّ، وكيف يُرتجى مراقبة من لفظ فوه اكباد الازكياء، وبنت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يُستبطأ في بغضنا - أهل البيت - من نظر الينا بالشنف والشنآن، والاحن والاضغان، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً ------ ثم قالوا يا يزيد لا تُشل

منحنياً على ثنايا أبي عبدالله سيّد شباب اهل الجنة تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلطك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة، باراقتك دماء ذرية محمد(ص) ونجوم الارض من آل عبدالمطلب، وتهتف بأشياخك زعمت انك تناديهم فلتردّن وشيكاً موردهم، ولتودّن أنك شُللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الفتوح لاعثم الكوفي: ج3، ص153و 154، ومقتل الخوارزمي: ج2، ص71.
«72»

اللهم خذلنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا. فوالله ما فريت الا جلدك، ولا حززت الا لحمك ولتردنّ على رسول الله (ص) بما تحمّلت من سفك دماء ذريّته، وانتهكت من حرمته...... فكد كيدك واسع سعيك،وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك الا فند، وأيامك الا عدد، وجمعك الا بدد، يوم ينادي المنادي الا لعنة الله على الظالمين....[الخ(1)
خطبة السجاد (ع) في مسجد دمشق

وفي فتوح ابن اعثم: مقتل الخوارزمي: ان يزيد أمر الخطيب أن يرقى المنبر ويثني على معاوية ويزيد، وينال من الامام علي والامام الحسين، فصعد الخطيب المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأكثر الوقيعة في علي والحسين، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد، فصاح به علي بن الحسين:]ويلك ايها الخاطب،اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار[، ثم قال:] يا يزيد ائذن لي حتى أصعد هذه الاعواد، فأتكلم بكلمات فيهن الله رضا، ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب[.
فأبى يزيد، فقال الناس: يا أمير المؤمنين إئذن له ليصعد، فعلّنا نسمع منه شيئاً، فقال لهم: إن صعد المنبر هذا، لم ينزل الا بفضحيتي وفضيحة آل أبي سفيان، فقالوا: وما قدر ما يحسن هذا؟ فقال: انه من اهل بيت قد زُقّوا العلم زقّاً!! ولم يزالوا به حتى أذن له بالصعود، فصعد المنبر: فحمد الله وأثنى عليه وقال:].... أيها الناس، أُعطينا ستّاً وفضّلنا بسبع، أُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة فى قلوب المؤمنين، وفضّلنا بأن منّا النبي المختار محمد(ص) ومنا الصديق، ومنا الطيار، ومنا اسد الله وأسد رسوله، ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنا سبطي هذه الامة وسيدي شباب اهل الجنة، فمن عرفني فقد عرفنى، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي:
أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن من حجّ ولبّى،أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا بن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى،..... أنا ابن محمد المصطفى، أنا بن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالواالا اله الا الله، ان ابن من بايع البيعتين، وصلى القلبتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، يعسوب المسلمين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، سمح سخي، بهلول زكي، ليث الحجاز وكبش العراق، مكي مدني أبطحي تهامي، خيفي عقبي، بدري أحدي شجري مهاجري، ابي السبطين، الحسن والحسين، علي بن ابى طالب، انا ابن فاطمة الزهراء، انا ابن

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -مقتل المقرّم: ص358و 359.
«73»

سيدة النساء، انا ابن بضعة الرسول....[ قال: ولم يزل يقول أنا أنا حتى ضجّ الناس بالبكاء و النحيب، وخشي يزيد ان تكون فتنة فأمر المؤذن ان يؤذن....الخ(1)
وفى تاريخ الطبري مقتل الحسين الخوارزمي: إن زوجة يزيد - سمّاها الطبري: هند ابنة عبدالله بن عامربن كريز - سمعت بما دار في مجلس يزيد فخرجت من خدرها،ودخلت المجلس، وقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين ابن فاطمة بنت رسول الله (ص) هذا؟! قال: نعم....الخ(2)
وفي سير اعلام النبلاء، وتاريخ ابن كثير وغيرهما: أن رأس الحسين صلب بمدينة دمشق ثلاثة ايام.(3) بعد ان وضع في طست من ذهب كما فى فتوح ابن اعثم وغيره: قال: وضع رأس الحسين بين يدى يزيد بن معاوية في طست من ذهب، فدعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين، وهو يقول: لقد كان أبو عبدالله حسن الثغر.(4)
يزيد ورسول ملك الروم

وفي اللهوف عن الامام زين العابدين (ع) قال:]لما أتي برأس الحسين (ع) إلى يزيد كان يتّخذ مجالس الشرب، ويأتي برأس الحسين ويضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر ذات يوم في مجلسه رسول ملك الروم، وكان من اشراف الروم وعظمائهم، فقال يا ملك العرب هذا رأس من؟ فقال له يزيد لمالك ولهذا الرأس؟ فقال: إني اذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شيء، رأيته، فأحببت أن أخبره بقصّة هذا الرأس وصاحبه، حتى يشاركك في الفرح والسرور، فقال يزيد: هذا رأس الحسين بن علي بن ابى طالب، فقال الرومى: وأمه؟ فقال: فاطمة بنت رسول الله، فقال النصراني: أفّ لك ولدينك لى دين أحسن من دينكم، إن أبي من موافد داوود (ع)، وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظموننى، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله (ص) وما بينه وبين نبيكم الا أم واحدة؟! فأيّ دين دينكم....؟!(5) و يبدو من خطبة عقيلة

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الفتوح لابن اعثم: 5/247-249، ومقتل الخوارزمي: 2/69-71.
2 - تاريخ الطبري ط اوربا مسلسل 2/382، ومقتل الخوارزمي: 2/74.
3 -سيراعلام النبلاء: 3/216، ومقتل الخوارزمي: 2/75، وتاريخ ابن كثير: 8/204، وتاريخ ابن عساكر: ج296، وخطط المقريزي: 2/289.
4 -الفتوح: 5/241.
5 -اللهوف في قتلى الطفوف لابن طاووس: ص69.
«74»

بني الهاشمي زينب الكبر بنت امير المؤمنين (ع)، وخطبة حفيده الامام زين العابدين (ع) أنهما أحدثا هزة عنيفة فى مجلس يزيد وقلب الفرح والسرور الذي انتابه إلى مصيبة محرجة، وقد افتضح أمره، وعرف الحُضّار صلة السبايا القريبة من رسول الله(ص) وكرامتهم وشرفهم، مماقد اضطره إلى ان يغيّر سلوكه مع ذراري رسول الله (ص) ويسمح لهم باقامة مأتم العزاء على الشهداء الابرار.
وقد استقر السجاد (ع) ومن صاحبه من بقايا الفاجعة فترة في الشام ثم سلكوا طريق العودة إلى المدينة، واتّخذت رؤوس الشهداء طريقها إلى كربلاء لترقد إلى جوار الاجساد المقطعة.
ولحكمة الهية بالغة بقي السجاد (ع) حيّاً بعد المجزرة الدموية الاموية الرهيبة التي حلت ببيت الرسالة في كربلاء فقد كان الوحيد من بين الشباب، وقت بلغ الطغيان الاموي مداه حين أقدم على تحقيق ابادة فعلية لاهل البيت(ع)، واستئصال وجودهم، حتى ابادوا بعض الاطفال، الامر الذي اشار اليه الامام السجاد(ع) ذاته في جوابه للمنهال بن عمر حين سأله: كيف أمسيت يا بن رسول الله؟ قال(ع):]أمسينا كمثل بني اسرائيل في آل فرعون، يذبحون ابناءهم ويستحيون نساءهم[(1).وكان (ع) قد نجا بمشيئة الله تعالى في وقت كان عمره ثلاثاً وعشرين سنة كي يتمّ مسيرة الامامة ويستلهم مسؤوليتها بعد أبيه الامام الحسين (ع) على مثله أولى بالتصفية في آلمنطق الاموي، وقد جرت عدّة محاولات لقتله لكن الله سلمه منها، فقد كان المرض الذي استبدّ به أثناء واقعة الطف الرهيبة المبرّر المنظور لاسقاط واجب الجهاد عنه بالسيف عنه.
جاء الامام الصادق (ع):]بكى علي بن الحسين عشرين سنة، وما وضع بين يديه طعام الابكى، حتى قال مولى له: أما آن لحزنك أن ينقضي؟ فأجابه: ويحك ان يعقوب النبي كان له اثنا عشر ابناً، فغيّب الله واحداً منهم، فابيضّت عيناه من كثرة بكائه عليه، واحدودب ظهره من الغم، وكان ابنه حيّاً في الدنيا، وأنا نظرت إلى ابي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني[؟(2)
اقامة مأتم العزاء على قتل الحسين(ع)
يبدو ان يزيد اضطر بعد هذا إلى ان يغىّ سلوكه مع ذراري الرسول(ص)، ويرفّه عنهم بعض الشيء، ويسمح لهم باقامة المآتم على شهدائهم، فقد روى ابن أعثم

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -المصدرنفسه: ص360، والاحتجاج للطبرسي: ج2.
2 -المناقب لابن شهرآشوب: ج4، ص165، وحلية الاولياء لابي نعيم: ج3، ص138.
«75»

بعد ذكر ما سبق وقال: فلما فرغ ]يزيد[ من صلاته أمر بعلي بن الحسين وأخواته وعمّاته رضوان الله عليهم، ففرّغت لهم دار فنزلوها، وأقاموا أيّاماً يبكون وينوحون على الحسين رضى الله عنه.(1)
ارجاع السبايا آل الرسول إلى مدينة جدهم (ص)
لم يكن ما جرى في عاصمة بنى أمية بعد وصول سبايا آل الرسول اليها في صالح حكم آل أمية، بعد أن حدث الكثير من المفارقات والعجائب، واتّضحت حقائق كانت خافية على الناس في بلاد الشام، وعرفوا عن قرب آل البيت (ع) بعد أن أظلتهم وسائل إعلام يزيد، واعتبرت السبايا هم بقيّة الخوارج الذين أمكن الله - يخليفة المسلمين - من الاقتصاص منهم على جنايتهم ضد الاسلام فض عن فضح آل أبي سفيان على رؤوس الاشهاد اِثر الخطابات المتتالية لعقيلة بني هاشم زينب الكبرى (ع) والامام علي بن الحسين(ع)، وغيرهما من ذرية النبي(ص) الموقف المشرف لمبعوث ملك الروم وغيره مما دفع بيزيد لان يرجعهم إلى مدينة جدهم مع النعمان بن بشير، بعد ان اقاموا على الحسين النياحة ثلاثاً كما يقول الطبري.
وفي مثير الاحزان واللهوف: إن آل الرسول (ص) لمّا بلغوا العراق طلبوا من الدليل أن يمرّ بهم على كربلاء، فلما وصلوا مصرع الشهداء وجدوا جابر بن عبدالله الانصاري (رض) وجماعة من بني هاشم قدموا لزيارة قبر الحسين(ع)، فوافوا في وقت واحد فتلاقوا بالحزن والبكاء، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أياماً، ثم انفصلوا من كربلاء قاصدين مدينة جدّهم (ص).
اقامة العزاء خارج مدينة الرسول (ص):
روى بشير بن حذلم قال: لمّا قربنا من المدينة حطّذ علي بن الحسين رحله، وضرب فسطاطه، وأنزل نساءه، وقال:]يا بشير رحم الله اباك لقد كان شاعراً، فهل تقدر على شيء منه[؟ فقال: بلى يابن رسول الله(ص) إني شاعر، فقال (ع): ]اُدخل المدينة وانع عبدالله[، قال: فركبت فرسي، وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي(ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول:
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها ----- قُتل الحسين فأدمعي مدراراً

الجسم من بكربلاء مضرّج ------- والرأسش منه على القناة يدار

قال: ثم قلت: هذا عليّ بن الحسين (ع) مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم، أعرّفكم مكانه، قال: فلم تبق في المدينة مخدّرة ولا محجبة، إلا برزن من خدورهنّ، وهنّ بين باكية ونائحة ولاطمة، فلم ير يوم أمرّ على أهل المدينة منه....... فضرب فرسي حتى رجعت اليهم، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع، فنزلت عن فرسي، وتخطّيت رقاب الناس، حتى قربت من باب

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الفتوح لابن اعثم: 5/247-249، مقتل الخوارزمي: 2/69-71.
«76»

يالفساط وكان علي بن الحسين داخ....فقال:]... أيها الناس أصبحنا مطرودين مشرّدين، مذوّدين شاسعين، كأنا أولاد ترك أو كابل، من غير جرم اجترمناه، ولا مكروه ارتكبنا، ماسمعنا بهذا فى آبائنا الاوّلين، إن هذه الا اختلاق، والله لو أن النبيّ تقدّم اليهم في قتالنا كما تقدم اليهم في الوصاية بنا، لما زادوا على مافعلوه، فإنا لله وإنا الينه راجعون[.
روى الكليني عن الامام الصادق(ع): (ان الحسين (ع) لما سار إلى العراق، استودع أم سلمة (رض)الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين (ع) دفعتها اليه.)(1)
قال ابن أعثم: فلما قُتل الحسين استوسق العراقان جميعاً لعبيد الله بن زياد، ووصله يزيد بألف درهم جائزة، فبنى قصريه الحمراء والبيضاء فى البصرة، وأنفق عليهما يمالا جزي، فكان يُشتّي في الحمراء، ويُصيِّف في البيضاء، وعلا أمره، وانتشر ذكره وبذل الاموال، واصطنع الرجال، ومدحته الشعراء(2)وقال ابن أعثم: إ يزيد قال له ]إلى ابن زياد[لقد وجبت محبّتكم يا بني زياد على آل سفيان ثم قال: يا غلام أطعمنا فقدّمت المائدة فطعماً جميعاً فلما أكلا دعا يزيد للشراب، فلما دارت الكأس التفت يزيد إلى ساقيه، وجعل يقول:
أسقني شربة تروّي عظامي ----- ثم مل فاسق مثلها ابن زياد

موضع العدل والامانة عندي ----- وعلى ثغر مغنم وجهاد(3)
قال المؤلف: هكذا كان عطاؤهوحباؤه لقائد جنده، أما عطاؤه للجنود، فقد ذكرالبلاذري وقال: كتب يزيد إلى ابن زياد: أما بعد فزد أهل الكوفة، أهل السمع والطاعة في أعطياتهم مئة مئة.(4)
إخبار مدينة الرسول بقتل الحسين(ع)
روى الطبري بسنده عوانة بن الحكم قال: لما قتل عبيد الله بن زياد، الحسين بن علي، وجيء برأسه اليه، دعا عبدالملك بن أبي الحارث السلمي، فقال: انطلق حتى اتقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص، فبشّره بقتل الحسين، وكان عمرو بن سعيد بن العاص أمير المدينة يومئذ..... قال عبدالملك: فقدمت المدينة فلقيني رجل من قريش، فقال: ماالخبر؟ فقلت: الخبر عند الامير، فقال: إنا لله وإنا اليه

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الطبرسي في اعلام الورى: ص252، والمناقب: ج4ن، ص172.
2 -الفتوح لابن اعثم: 5/252.
3 -المصدر نفسه: ص254.
4 -أنساب الاشراف: ص220.
«77»

راجعون، قُتل الحسين ابن علي، قال: فدخلت على عمر وبن سعيد، فقال: ما وراءك فقلت: ما سَرَّ الامير، قُتل الحسين بن عليّ، فقال: ناد بقتله، فناديت بقتله، فلم أسمع فالله واعية قطّ مثل واعية نساء بني هاشم في دورهنّ على الحسين!
وفى الأغاني: أمر عمرو صاحب شرطته على المدينة بعد خروج الحسين ]منها[أن يهدم دور بني هاشم،د ففعل وبلغ منهم كلّ مبلغ.(1)
نتائج وآثار النهضة الحسينية المباركة

ان قيمة كل عمل رسالي أو ريادي تقاس بقدر ما يعطي من نتائج وآثار، وما يترك من التأثير البنّاء في حياة الانسان، والاحداث والاعمال السياسية والاجتماعية قد يتعطي نتائجها عطاء مباشراً ومتّص، وقد تتخلّف الآثار والنتائج عن الاسباب السياسية تخلّفاً زمنيّاً، وتبقى تتفاعل وتؤثّر إلى ما بعد الحدث، وقد يكون تأثيرها واسعاً وممتدّاً عبر مساحات واسعة.
فنهضة الحسين(ع) وثورته العظيمة، ثورة رائدة ثرّة العطاء غنيّة القيمة والتأثير واسعة الاهداف فلم يكن هدفها قاصداً تغيير الاوضاع وإصلاح المجتمع وممارسة عملية البناء والتوجيه وانما كانت لها أهداف كثيرة قريبة وبعيدة فمن جملة هذه الاهداف الجهادية السامية لثورة الحسين(ع) المباركة:
1 - تغيير الاوضاع السياسية واستبدال الجهاز الحاكم واسلوب الادارة السياسية، والتعامل مع الامة وفق الموازين والمقاييس التي ثبّتها الاسلام.
2 - ايقاظ الحسّ والوعي السياسي للامة جعلهما جهازاً مراقب السلطة ويواجهها متى ما انحرفت عن المباديء الاسلامية أو تخلّت عن تطبيق الاحكام الاسلامية.
3 - تثبيت مبدأ شرعية القوة والمقاومة المسلّحة ضد الحاكم الظالم.
4 - اعادة تربية وبناء الامة تربية اسلامية.
5 - كسر حاجز الخوف والارهاب المفروض على الامة، وتحريك روح الثورة والجهاد والفداء فيها.
وما أن استشهد الحسين (ع) وأهل بيته وصحبه الكرام حتى وقفت السلطة الحاكمة على شفا جرف هار، وفوهة بركان مدمّر، وبدأت الانفجارات والثورات تتوإلى وتتعاقب واحدة بعد الاخرى. وبدأت السلطة تفقد ارتباطها بالامة، وشرع العدّ التنازلي لقوتها وهيبتها يلوح فى آلافق، لذلك فقد استعملت كل انواع القمع والارهاب علّها تسكت الاصوات المنادية والثورات المتلاحقة، فقد فسحت ثورة الامام الحسين(ع) الفرصة أمام عبدالله بن الزبير أن يتحرّك فى مكة وأن يخلع سلطة يزيد ويعلن الثورة التي خلعت حكم الامويين في مكة المكرمة، بلد الحرام

ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الاغاني: 4/155، وتاريخ الطبري: ج4.
«78»

الشريف. كما أعلن أهل المدينة الثورة على يزيد وعلى واليه عثمان بن محمد بن ابى سفيان، وطردوه وطردوا من كان من بنى أمية بالمدينة المنورة وكا يقود أهل المدينة عبد بن حنظلة (غسيل الملائكة) بن أبي عامر (1)
لقد بدأت الثورات وردود الفعل تتوإلى مطالبة بدم الحسين (ع) والاقتصاص من القتلة تحوّلت نهضة الحسين(ع) إلى شعار سياسي، وقوة محركة في تاريخ الصراع، فقامت ثورة التوابين في الكوفة بقيادة الثائر سليمان بن صرد الخزاعي والمسيّب بن نجبة الفزاري، رفع الثوّار شعار التوبة والتكفير، عن تخلّفهم عن نصرة الحسين(ع) ومقاتلة بني أمية والثأر لدم الحسين(ع) وقامت ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي وابراهيم بن مالك الاشتر عام 66 هـ نادى الثائرون بشعار (يالثارات الحسين) وتتبّعوا قتلة الحسين(ع)،فاستأصلوهم وقتلوهم شرّ قتلة فقتلوا عبيدالله بن زياد والحصين بن نمير وعمربن سعد وغيرهم من المجرمين.
واستمرت روح المقاومة حتى سقط الحكم الاموي عاش يد العباسيين الذين كانوا ينادون في الظاهر بنصرة آل البيت (ع)، والقضاء على حكم الامويين وتسليمه لال النبي(ص) وعترته (ع)، خلفائه الشرعيين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
1 -الكامل في التاريخ لابن الاثير: ج4، ص120