العوهج
08-30-2008, 10:29 PM
السلامُ عليكم أحبَّـــتي ..
أبارك لكم بمناسبة حلول شهر التوبة والغفران شهر رمضان الكريم ..
وقعت عيناي على هذه الخُطبة العظيمة للإمام علي ابن أبي طالب (ع) ،
فأحببتُ أن أطلعكم عليها لما فيها من الحكم و المواعظ التي لا تشرى بمال ...
من كلامه عليه السلامْ ...
قال عند تلاوته : (( يا أيُّها الإنسانُ ما غرَّكَ بربك الكريمْ )) ..
أدحضُ مسؤولٍ حُجة ً ، و أقطعُ مُغترٍّ معذرة ً ، لقد أبرحَ جهالةً بنفسه ( أي أعجبتهُ نفسه بجهالتها ).
أيها الإنسانُ ، ما جرّأكَ على ذنبك ، و ما غرَّكَ بربِّكَ ، و ما أنَّسكَ بهلكةِ نفسِكَ ؟! أما من دائكَ بُـلول (تحسُّن حالة المريض )، أم ليسَ من نومتكَ يقظة ؟ أما ترحمُ من نفسكَ ما ترحمُ من غيرك ؟ فلربَّما ترى الضاحي من حرِّ الشمس فتُظلُّه ، أو ترى المُبتلَى بألمٍ يُمِضُّ جَسَدَه فتبكي رحمة ً له !
فـما صبَّركَ على دائكَ ، و جلَّدكَ على مُصابك ، و عزَّاكَ عن البكاءِ على نفسكَ أعزُّ الأنفس عليك ! و كيفَ لا يُوقِظك خوف بَياتِ نِقْـمة ( أي تبيت بنقمة من الله و رزية تذهب بنعيمك ) ، و قد تورَّطتَ بمعاصيهِ مدارجَ سطواتِه ! فتداوَ من داء الفترة ِ في قلبكَ بعزيمة ٍ ، و من كرى الغفلةِ في ناظركَ بيقظة ، و كن للهِ مطيعاً ، و بذكرهِ آنساً . و تمثَّل في حال تولِّيكَ عنه إقبالهُ عليكَ ، يدعوكَ إلى عفوه ِ ، و يتغمَّدكَ بفضلهِ ، و أنتَ متولٍّ عنهُ إلى غيرِهِ .
فتعالى من قويٍّ ما أكرمَهُ ! و تواضعتَ من ضعيفٍ ما أجرأكَ على معصِيَتِهِ ! و أنتَ في كنفِ سترهِ مُقيمٌ ، و في سَعةِ فضلهِ مُتقلِّب . فلم يمنعكَ فضلَهُ ، و لم يهتِك عنكَ سِتْرَهُ ، بل لم تخلُ من لطفهِ مطرِفَ عَيْن ٍ في نعمةٍ يُحدِثُها لكَ ، أو سيِّئة ٍ يستُرُها عليك ، أو بليَّةٍ يصرِفُها عنك . فما ظنُّكَ به لو أطعتَهُ ! و ايمُ ااَّاهِ لو أنَّ هذه الصِّفِةَ كانت في مُتَّفقَيْنِ في القُوَّة ، متوازيين في القدرة ، لكنتَ أوَّل حاكمٍ على نفسكَ بذميمِ الأخلاق ، و مساوىء الأعمال .
وحقاً أقول ! ما الدنيا غرَّتكَ ، و لكن بها اغْتَررْت ، و لقد كاشفتكَ العِظاتِ ، و آذَنتْكَ على سَواءْ . و لَهِيَ بما تعِدُكَ من نزولِ البلاءِ بجسمِكَ ، و النَّقْصِ في قوَّتكَ ، أصْدَقُ و أوفى مِنْ أن تكذِبَــــكَ ، أو تَغُرَّك .
و لرُبَّ ناصحٍ لها عندكَ مُتَّهمٌ ، و صادقٍ من خبَرها مُكذَّبٌ . و لئن تعرَّفْتَها في الدِّيار الخاويةِ ، و الرُّبوع الخاليةِ ، لتجِدنَّها من حُسْنِ تـذكيركَ ، و بلاغِ موعِظَتِكَ ، بمحلَّةِ الشفيقِ عليكَ ، و الشحيحِ بكَ ! و لَنِعْمَ دارُ مَنْ لم يَرْضَ بها داراً ، و مَحَلُّ من لم يُوطِّنْها محَلاًّ ! و إنَّ السُّعداء بالدُّنيا غداً هُمُ الهارِبون منها اليومْ .
إذا رجفت الرَّاجفةُ ، و حقَّت بجَلائلِها القيامةُ ، و لَحِقَ بكلِّ مَنْـسكٍ أهلُهُ ، و بكلِّ معبودٍ عَبَدتُهُ . و بكلِّ مُطاع أهلُ طاعَتِهِ ، فلم يُجزَ في عدلهِ و قِسطهِ يومئذٍ خرْقُ بصَرٍ في الهواء ، و لا همسُ قَدَمٍ في الأرضِ إلاَّ بحقِّهِ ، فكمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذاكَ داحِضَةٌ ، و علائقُ عذرٍ منقطعة !
فتحرَّ من أمرِكَ ما يقومُ بهِ عُذرُك ، و تثبت بهِ حُجَّتـُـــك ، و خذ ما يبقى لكَ ممَّا لا تبقى لهُ ، و تيسَّر لِسَفرِكَ ، و شِمْ بَرْقَ النجاة ( شام البرق أي لمحهُ ) ، و ارحَلْ مطايا التشمير ( رَحَل المطيَّة أي وضع عليها رحلها للسفر ) .
المصدر : نهج البلاغة الخطبة رقم ( 223) ص344 / تحقيق د. صبحي الصالح / الطبعة الأولى 1980
أبارك لكم بمناسبة حلول شهر التوبة والغفران شهر رمضان الكريم ..
وقعت عيناي على هذه الخُطبة العظيمة للإمام علي ابن أبي طالب (ع) ،
فأحببتُ أن أطلعكم عليها لما فيها من الحكم و المواعظ التي لا تشرى بمال ...
من كلامه عليه السلامْ ...
قال عند تلاوته : (( يا أيُّها الإنسانُ ما غرَّكَ بربك الكريمْ )) ..
أدحضُ مسؤولٍ حُجة ً ، و أقطعُ مُغترٍّ معذرة ً ، لقد أبرحَ جهالةً بنفسه ( أي أعجبتهُ نفسه بجهالتها ).
أيها الإنسانُ ، ما جرّأكَ على ذنبك ، و ما غرَّكَ بربِّكَ ، و ما أنَّسكَ بهلكةِ نفسِكَ ؟! أما من دائكَ بُـلول (تحسُّن حالة المريض )، أم ليسَ من نومتكَ يقظة ؟ أما ترحمُ من نفسكَ ما ترحمُ من غيرك ؟ فلربَّما ترى الضاحي من حرِّ الشمس فتُظلُّه ، أو ترى المُبتلَى بألمٍ يُمِضُّ جَسَدَه فتبكي رحمة ً له !
فـما صبَّركَ على دائكَ ، و جلَّدكَ على مُصابك ، و عزَّاكَ عن البكاءِ على نفسكَ أعزُّ الأنفس عليك ! و كيفَ لا يُوقِظك خوف بَياتِ نِقْـمة ( أي تبيت بنقمة من الله و رزية تذهب بنعيمك ) ، و قد تورَّطتَ بمعاصيهِ مدارجَ سطواتِه ! فتداوَ من داء الفترة ِ في قلبكَ بعزيمة ٍ ، و من كرى الغفلةِ في ناظركَ بيقظة ، و كن للهِ مطيعاً ، و بذكرهِ آنساً . و تمثَّل في حال تولِّيكَ عنه إقبالهُ عليكَ ، يدعوكَ إلى عفوه ِ ، و يتغمَّدكَ بفضلهِ ، و أنتَ متولٍّ عنهُ إلى غيرِهِ .
فتعالى من قويٍّ ما أكرمَهُ ! و تواضعتَ من ضعيفٍ ما أجرأكَ على معصِيَتِهِ ! و أنتَ في كنفِ سترهِ مُقيمٌ ، و في سَعةِ فضلهِ مُتقلِّب . فلم يمنعكَ فضلَهُ ، و لم يهتِك عنكَ سِتْرَهُ ، بل لم تخلُ من لطفهِ مطرِفَ عَيْن ٍ في نعمةٍ يُحدِثُها لكَ ، أو سيِّئة ٍ يستُرُها عليك ، أو بليَّةٍ يصرِفُها عنك . فما ظنُّكَ به لو أطعتَهُ ! و ايمُ ااَّاهِ لو أنَّ هذه الصِّفِةَ كانت في مُتَّفقَيْنِ في القُوَّة ، متوازيين في القدرة ، لكنتَ أوَّل حاكمٍ على نفسكَ بذميمِ الأخلاق ، و مساوىء الأعمال .
وحقاً أقول ! ما الدنيا غرَّتكَ ، و لكن بها اغْتَررْت ، و لقد كاشفتكَ العِظاتِ ، و آذَنتْكَ على سَواءْ . و لَهِيَ بما تعِدُكَ من نزولِ البلاءِ بجسمِكَ ، و النَّقْصِ في قوَّتكَ ، أصْدَقُ و أوفى مِنْ أن تكذِبَــــكَ ، أو تَغُرَّك .
و لرُبَّ ناصحٍ لها عندكَ مُتَّهمٌ ، و صادقٍ من خبَرها مُكذَّبٌ . و لئن تعرَّفْتَها في الدِّيار الخاويةِ ، و الرُّبوع الخاليةِ ، لتجِدنَّها من حُسْنِ تـذكيركَ ، و بلاغِ موعِظَتِكَ ، بمحلَّةِ الشفيقِ عليكَ ، و الشحيحِ بكَ ! و لَنِعْمَ دارُ مَنْ لم يَرْضَ بها داراً ، و مَحَلُّ من لم يُوطِّنْها محَلاًّ ! و إنَّ السُّعداء بالدُّنيا غداً هُمُ الهارِبون منها اليومْ .
إذا رجفت الرَّاجفةُ ، و حقَّت بجَلائلِها القيامةُ ، و لَحِقَ بكلِّ مَنْـسكٍ أهلُهُ ، و بكلِّ معبودٍ عَبَدتُهُ . و بكلِّ مُطاع أهلُ طاعَتِهِ ، فلم يُجزَ في عدلهِ و قِسطهِ يومئذٍ خرْقُ بصَرٍ في الهواء ، و لا همسُ قَدَمٍ في الأرضِ إلاَّ بحقِّهِ ، فكمْ حُجَّةٍ يَوْمَ ذاكَ داحِضَةٌ ، و علائقُ عذرٍ منقطعة !
فتحرَّ من أمرِكَ ما يقومُ بهِ عُذرُك ، و تثبت بهِ حُجَّتـُـــك ، و خذ ما يبقى لكَ ممَّا لا تبقى لهُ ، و تيسَّر لِسَفرِكَ ، و شِمْ بَرْقَ النجاة ( شام البرق أي لمحهُ ) ، و ارحَلْ مطايا التشمير ( رَحَل المطيَّة أي وضع عليها رحلها للسفر ) .
المصدر : نهج البلاغة الخطبة رقم ( 223) ص344 / تحقيق د. صبحي الصالح / الطبعة الأولى 1980