شذا الرياحين
09-07-2004, 07:55 PM
الأسرة هي الخلية الاجتماعية الأولى في نسيج المجتمع لذلك كانت محور دراسات الفلاسفة منذ القدم، وموضع اهتمام الديانات السماوية وجميع النظم والدساتير السياسية، وهي تعتبر بحق من أهم عوامل تقدم المجتمعات وتطورها واستقرارها بفعل العناصر الخيرة والفاضلة والمؤثرة التي ترفدها بها.
وهي مجتمع صغير تتكون من زوج وزوجة والأولاد والخدم وربما شملت أيضاً الجدود والأحفاد والأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة.
ولقد لعبت الأسرة، وما تزال دوراً مهماً في تنشئة الأجيال وإعدادها. ومهما قيل عن تراجع دورها بفعل المؤسسات المختلفة التي استحدثها المجتمع لتحل محلها، فإنها ما زالت تمارس وظيفتها في التناسل والتنشئة الدينية والخلقية والاجتماعية بشكل يدعو إلى صعوبة الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها باعتبارها أكثر التصاقاً ومعرفة بالطفل وأدق تنظيماً وإحكاماً من سائر المؤسسات التربوية التي من المفترض أن تحل محلها.
ولا شك في أن الأسرة مسؤولة عن سلامة الأطفال النفسية وانحرافهم وشذوذهم والسبب يكمن في عدم الاستقرار العاطفي بين الآباء من جهة، وبينهم وبين الأبناء من جهة ثانية أو بني الأبناء أنفسهم.
وهي من جهة أخرى، مسؤولة عن تزويدهم بالاتجاهات والنماذج السلوكية المقبولة، إذ في داخلها يتعلم الطفل قيم الأخلاق وقواعد الآداب ونماذج السلوك الحسن وأساليب الثواب والعقاب ومناحي الحق والخير والجمال والتعاون والمحبة والعمل وغير ذلك. لهذا يمكن اعتبارها إحدى العوامل الأساسية في بناء الكيان التربوي وتحقيق عملية التطبيع الاجتماعي. فالعائلة رغم كونها مؤسسة اجتماعية صغيرة، إلا أنها كبيرة الأهمية وعليها تتوقف قوة المجتمع ومنعته.
يشير الإمام (عليه السلام) إلى أهمية هذه المؤسسة وأثرها على الفرد والمجتمع فيقول: (أيها الناس، إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه وألمّهم لشعثه وأعطفهم عليه عند نازلة إن نزلت به ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره)
إلى أن يقول: (إلا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته، فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة)
إن مفهوم الإمام (عليه السلام) للعائلة، لا يقتصر على الآباء والأولاد، بل هو يمتد ليشمل العشيرة بأكملها وما تتضمنه من الأحفاد والأجداد والأقارب. ونظراً للدور الهام الذي تلعبه في بناء كيان الأفراد وحمايتهم من الأخطار التي تحدق بهم، فإنه يحث الأغنياء منهم على مواساة أقاربهم الفقراء وصلتهم بالمال ويرغب إليهم هذا الأمر بالذكر الجميل والاعتضاد بالعشيرة ودوام محبتها لهم.
والواقع أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن عائلته وخاصة في صغره كما أن المال لا يوفر له بدلاً عنها، فهي بالنسبة إليه ضرورة ملحة طيلة حياته ووظيفتها لا تقتصر على حماية أبنائها من خطر الآخرين بل أنها تتعدى ذلك إلى أخذهم بمختلف أنواع التربية حتى يشبوا صالحين. كما أنها المكان الذي يجد فيه الطفل الرعاية اللازمة لنموه وتطوره. يقول (جون ديوي) إن بني الإنسان يولدون قليلي النضج إلى درجة أنهم لو خلوا وأنفسهم بدون توجيه الآخرين وعونهم ما تمكنوا من الحصول حتى على أيسر الكفايات اللازمة لحياتهم المادية فصغار البشر يظهرون قليلي الحظ من الكفايات الأصلية إذا ما وزنوا بصغار الحيوانات الدنيا حتى أنهم لا قبل لهم باكتساب القوى التي تكفل حصولهم على ما يسد رمقهم إلا بحياطة غيرهم، فما أشد حاجتهم للرعاية إذاً، في محيط بلغت فيه الإنسانية مبلغها من الصناعة والفن والعلم والخلق)
فإن الرباط العاطفي بين الآباء له أثره على الأبناء، لأن السعادة العائلية تبعث الطمأنينة في نفس الطفل، في حين أن عدم الاستقرار العائلي له ضرره في تعقيد نفسيته وهروبه من الواقع المؤلم الذي يعيشه ممّا يسهم في سوء تكيفه الاجتماعي. فإذا عجز الآباء عن تأمين هذا الجو العاطفي، فلا مجال للتحدث عن أطفال أسوياء. لذا كانت (مودة الآباء قرابة بين الأبناء)
لقد دخلت كلمات الإمام (عليه السلام) إلى أعماق النفس البشرية وسبرت أغوارها وكشفت عن مكنون أسرارها، ووقفت على ما يلائمها من الفضائل والمعارف والعواطف والانفعالات ودعت إلى تنشئتها عليها حتى يستقيم نهجها وتسمو في مدارج العلم والأخلاق.
إن العيش ضمن نطاق الأسرة يفرض جملة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الآباء والأبناء، حيث لا يمكن بدونها حفظ كيان الأسرة وضمان استمرارها. فالآباء الذين لا يكترثون بأبنائهم ولا يعبأون برعايتهم وتربيتهم، وكذلك الأبناء الذين يظلمون آباءهم ولا يحترمونهم ولا يقدمون يد المساعدة لهم، إنما يقترفون خطأ فادحاً في ضمير الإنسانية وشرحاً واسعاً في كيان الدين والمجتمع. وكم نحن بحاجة اليوم إلى تدعيم الأسرة وتمتين وشائجها في عصر طغت على أبنائه المادية الهدامة وقل أثر الدين في النفوس، فتنكر الابن لأبيه وشغل الأب عن ابنه.
ولقد أدرك الإمام (عليه السلام) هذا العصر ومنذ آلاف السنين وكشف عما يعتوره من رذائل ومفاسد فيقول: (يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر ولا يضعف فيه إلا المنصف يعدون الصدقة فيه غرماً، وصلة الرحم منّاً، والعبادة استطالة على الناس)
إن طاعة الوالدين وبرهما من علامات المؤمن لقوله تعالى: (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) ، ولقد أوصى سبحانه ببر الوالدين وصلتهما في قوله الكريم: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) ومعاملتهما في الدنيا بالمعروف حتى وإن خالفا قول الحق لقوله عزّ وجلّ: (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً) ، وقوله عزّ القائل: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً)
وهكذا فحق الآباء على الأبناء هو البر والطاعة في كل شيء إلا في معصية الله سبحانه، وحتى في هذه الحالة الأخيرة، فإن الله سبحانه يوجب الإحسان إلى الوالدين وعدم زجرهما أو التأفف منهما (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً)
إن للاسم أثراً على نفسية الطفل في مستقبل حياته، فبعض الأطفال يخجلون من ذكر أسمائهم ويرفضون مناداتهم بها وقد يفتعلون المشاكل بسبب ذلك، وربما يحاولون تغييرها بأسماء يرتاحون إليها. في حين أن البعض الآخر يطربون لسماعها وقد يعتزون بها ويشمخون. من هنا وجب الحرص والتمهل والاعتناء في اختيار الأسماء حفظاً على سلامة الطفل النفسية وحسن تكيفه الاجتماعي.
ومن حق الولد على والديه أيضاً حسن اختيار مرضعته. ويرى الإمام علي (عليه السلام) أن لبن الأم هو أكثر فائدة للصبي من لبن أية مرضعة أخرى كما يقول: (ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه) ، وإذا تعذر ذلك فإنه يوجب النظر في اختيار المرضعة فيقول: (انظروا من يرضع أولادكم فإن الولد يشب عليه) (26). ولذا فقد استبعد الحمقاء عن الرضاعة، لأن لبنها يؤثر على طباع الطفل، (ولا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغلب الطباع)
وقد عبر عن ذلك ابن سينا في قوله: (إن من حق الولد على والديه إحسان تسميته ثم اختيار ظئرة كي لا تكون حمقاء ولا ردهاء ولا ذات عاهة فإن اللبن يعدي كما قيل)
والطفل أمانة والديه، ونفسه جوهرة نقية خالية من كل نقش، لذلك وجب أخذه بالآداب الصالحة والأخلاق النبيلة والعلوم النافعة، لما لها من مردود خير عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، وذلك قبل أن تستفحل فيه الأخلاق والآداب الذميمة. وعلى كاهل الأسرة يقع عبء تعهد الطفل بالرعاية والتثقيف والتأديب والتهذيب وتمكينه من ممارسة الفضائل الخلقية والأدبية. وهذا ما أثبته ابن سينا بقوله: (فإذا فطم الصبي عن الرضاع بدئ بتأديبه، ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة وتفاجئه الشيم الذميمة، فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق وتنثال عليه الضرائب الخبيثة فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقة ولا عنه نزوعا)
وما ذلك إلا لأن القرآن يأمر بالخير، وينهى عن الشر ويجنب قبائح الأخلاق ويدعو إلى محاسن الفضائل والآداب وفيه شفاء من النفاق وهداية من الضلال. وقد عبر الإمام (عليه السلام) عن فضل القرآن بقوله: (واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدّث الذي لا يكذب وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، ونقصان من عمى.
واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء. وهو الكفر والنفاق والغي والضلال، فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه ولا تسألوا به خلقه وإنه ما توجه العباد إلى الله تعالى بمثله.
واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق، وإنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة، ألا أن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم واستغشوا فيه أهواءكم)
(فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه وتهيأ للتلقين ووعى سمعه أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء ولقن معالم الدين)
ولقد ذكر (عليه السلام) هذه الحقوق المتبادلة بين الآباء والأبناء فقال: (إن للوالد على الولد حقاً، وإن للولد على الوالد حقاً، فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء إلا في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه ويعلمه القرآن)
وهي مجتمع صغير تتكون من زوج وزوجة والأولاد والخدم وربما شملت أيضاً الجدود والأحفاد والأقارب على أن يكونوا مشتركين في معيشة واحدة.
ولقد لعبت الأسرة، وما تزال دوراً مهماً في تنشئة الأجيال وإعدادها. ومهما قيل عن تراجع دورها بفعل المؤسسات المختلفة التي استحدثها المجتمع لتحل محلها، فإنها ما زالت تمارس وظيفتها في التناسل والتنشئة الدينية والخلقية والاجتماعية بشكل يدعو إلى صعوبة الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها باعتبارها أكثر التصاقاً ومعرفة بالطفل وأدق تنظيماً وإحكاماً من سائر المؤسسات التربوية التي من المفترض أن تحل محلها.
ولا شك في أن الأسرة مسؤولة عن سلامة الأطفال النفسية وانحرافهم وشذوذهم والسبب يكمن في عدم الاستقرار العاطفي بين الآباء من جهة، وبينهم وبين الأبناء من جهة ثانية أو بني الأبناء أنفسهم.
وهي من جهة أخرى، مسؤولة عن تزويدهم بالاتجاهات والنماذج السلوكية المقبولة، إذ في داخلها يتعلم الطفل قيم الأخلاق وقواعد الآداب ونماذج السلوك الحسن وأساليب الثواب والعقاب ومناحي الحق والخير والجمال والتعاون والمحبة والعمل وغير ذلك. لهذا يمكن اعتبارها إحدى العوامل الأساسية في بناء الكيان التربوي وتحقيق عملية التطبيع الاجتماعي. فالعائلة رغم كونها مؤسسة اجتماعية صغيرة، إلا أنها كبيرة الأهمية وعليها تتوقف قوة المجتمع ومنعته.
يشير الإمام (عليه السلام) إلى أهمية هذه المؤسسة وأثرها على الفرد والمجتمع فيقول: (أيها الناس، إنه لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال عن عشيرته ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطة من ورائه وألمّهم لشعثه وأعطفهم عليه عند نازلة إن نزلت به ولسان الصدق يجعله الله للمرء في الناس خير له من المال يورثه غيره)
إلى أن يقول: (إلا لا يعدلن أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدها بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته، فإنما تقبض منه عنهم يد واحدة، وتقبض منهم عنه أيد كثيرة، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة)
إن مفهوم الإمام (عليه السلام) للعائلة، لا يقتصر على الآباء والأولاد، بل هو يمتد ليشمل العشيرة بأكملها وما تتضمنه من الأحفاد والأجداد والأقارب. ونظراً للدور الهام الذي تلعبه في بناء كيان الأفراد وحمايتهم من الأخطار التي تحدق بهم، فإنه يحث الأغنياء منهم على مواساة أقاربهم الفقراء وصلتهم بالمال ويرغب إليهم هذا الأمر بالذكر الجميل والاعتضاد بالعشيرة ودوام محبتها لهم.
والواقع أن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن عائلته وخاصة في صغره كما أن المال لا يوفر له بدلاً عنها، فهي بالنسبة إليه ضرورة ملحة طيلة حياته ووظيفتها لا تقتصر على حماية أبنائها من خطر الآخرين بل أنها تتعدى ذلك إلى أخذهم بمختلف أنواع التربية حتى يشبوا صالحين. كما أنها المكان الذي يجد فيه الطفل الرعاية اللازمة لنموه وتطوره. يقول (جون ديوي) إن بني الإنسان يولدون قليلي النضج إلى درجة أنهم لو خلوا وأنفسهم بدون توجيه الآخرين وعونهم ما تمكنوا من الحصول حتى على أيسر الكفايات اللازمة لحياتهم المادية فصغار البشر يظهرون قليلي الحظ من الكفايات الأصلية إذا ما وزنوا بصغار الحيوانات الدنيا حتى أنهم لا قبل لهم باكتساب القوى التي تكفل حصولهم على ما يسد رمقهم إلا بحياطة غيرهم، فما أشد حاجتهم للرعاية إذاً، في محيط بلغت فيه الإنسانية مبلغها من الصناعة والفن والعلم والخلق)
فإن الرباط العاطفي بين الآباء له أثره على الأبناء، لأن السعادة العائلية تبعث الطمأنينة في نفس الطفل، في حين أن عدم الاستقرار العائلي له ضرره في تعقيد نفسيته وهروبه من الواقع المؤلم الذي يعيشه ممّا يسهم في سوء تكيفه الاجتماعي. فإذا عجز الآباء عن تأمين هذا الجو العاطفي، فلا مجال للتحدث عن أطفال أسوياء. لذا كانت (مودة الآباء قرابة بين الأبناء)
لقد دخلت كلمات الإمام (عليه السلام) إلى أعماق النفس البشرية وسبرت أغوارها وكشفت عن مكنون أسرارها، ووقفت على ما يلائمها من الفضائل والمعارف والعواطف والانفعالات ودعت إلى تنشئتها عليها حتى يستقيم نهجها وتسمو في مدارج العلم والأخلاق.
إن العيش ضمن نطاق الأسرة يفرض جملة من الحقوق والواجبات المتبادلة بين الآباء والأبناء، حيث لا يمكن بدونها حفظ كيان الأسرة وضمان استمرارها. فالآباء الذين لا يكترثون بأبنائهم ولا يعبأون برعايتهم وتربيتهم، وكذلك الأبناء الذين يظلمون آباءهم ولا يحترمونهم ولا يقدمون يد المساعدة لهم، إنما يقترفون خطأ فادحاً في ضمير الإنسانية وشرحاً واسعاً في كيان الدين والمجتمع. وكم نحن بحاجة اليوم إلى تدعيم الأسرة وتمتين وشائجها في عصر طغت على أبنائه المادية الهدامة وقل أثر الدين في النفوس، فتنكر الابن لأبيه وشغل الأب عن ابنه.
ولقد أدرك الإمام (عليه السلام) هذا العصر ومنذ آلاف السنين وكشف عما يعتوره من رذائل ومفاسد فيقول: (يأتي على الناس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل ولا يظرف فيه إلا الفاجر ولا يضعف فيه إلا المنصف يعدون الصدقة فيه غرماً، وصلة الرحم منّاً، والعبادة استطالة على الناس)
إن طاعة الوالدين وبرهما من علامات المؤمن لقوله تعالى: (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) ، ولقد أوصى سبحانه ببر الوالدين وصلتهما في قوله الكريم: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) ومعاملتهما في الدنيا بالمعروف حتى وإن خالفا قول الحق لقوله عزّ وجلّ: (وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً) ، وقوله عزّ القائل: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً)
وهكذا فحق الآباء على الأبناء هو البر والطاعة في كل شيء إلا في معصية الله سبحانه، وحتى في هذه الحالة الأخيرة، فإن الله سبحانه يوجب الإحسان إلى الوالدين وعدم زجرهما أو التأفف منهما (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً)
إن للاسم أثراً على نفسية الطفل في مستقبل حياته، فبعض الأطفال يخجلون من ذكر أسمائهم ويرفضون مناداتهم بها وقد يفتعلون المشاكل بسبب ذلك، وربما يحاولون تغييرها بأسماء يرتاحون إليها. في حين أن البعض الآخر يطربون لسماعها وقد يعتزون بها ويشمخون. من هنا وجب الحرص والتمهل والاعتناء في اختيار الأسماء حفظاً على سلامة الطفل النفسية وحسن تكيفه الاجتماعي.
ومن حق الولد على والديه أيضاً حسن اختيار مرضعته. ويرى الإمام علي (عليه السلام) أن لبن الأم هو أكثر فائدة للصبي من لبن أية مرضعة أخرى كما يقول: (ما من لبن يرضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمه) ، وإذا تعذر ذلك فإنه يوجب النظر في اختيار المرضعة فيقول: (انظروا من يرضع أولادكم فإن الولد يشب عليه) (26). ولذا فقد استبعد الحمقاء عن الرضاعة، لأن لبنها يؤثر على طباع الطفل، (ولا تسترضعوا الحمقاء فإن اللبن يغلب الطباع)
وقد عبر عن ذلك ابن سينا في قوله: (إن من حق الولد على والديه إحسان تسميته ثم اختيار ظئرة كي لا تكون حمقاء ولا ردهاء ولا ذات عاهة فإن اللبن يعدي كما قيل)
والطفل أمانة والديه، ونفسه جوهرة نقية خالية من كل نقش، لذلك وجب أخذه بالآداب الصالحة والأخلاق النبيلة والعلوم النافعة، لما لها من مردود خير عليه وعلى المجتمع الذي يعيش فيه، وذلك قبل أن تستفحل فيه الأخلاق والآداب الذميمة. وعلى كاهل الأسرة يقع عبء تعهد الطفل بالرعاية والتثقيف والتأديب والتهذيب وتمكينه من ممارسة الفضائل الخلقية والأدبية. وهذا ما أثبته ابن سينا بقوله: (فإذا فطم الصبي عن الرضاع بدئ بتأديبه، ورياضة أخلاقه قبل أن تهجم عليه الأخلاق اللئيمة وتفاجئه الشيم الذميمة، فإن الصبي تتبادر إليه مساوئ الأخلاق وتنثال عليه الضرائب الخبيثة فما تمكن منه من ذلك غلب عليه فلم يستطع له مفارقة ولا عنه نزوعا)
وما ذلك إلا لأن القرآن يأمر بالخير، وينهى عن الشر ويجنب قبائح الأخلاق ويدعو إلى محاسن الفضائل والآداب وفيه شفاء من النفاق وهداية من الضلال. وقد عبر الإمام (عليه السلام) عن فضل القرآن بقوله: (واعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدّث الذي لا يكذب وما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، ونقصان من عمى.
واعلموا أنه ليس على أحد بعد القرآن من فاقة، ولا لأحد قبل القرآن من غنى فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوا به على لأوائكم، فإن فيه شفاء من أكبر الداء. وهو الكفر والنفاق والغي والضلال، فاسألوا الله به، وتوجهوا إليه بحبه ولا تسألوا به خلقه وإنه ما توجه العباد إلى الله تعالى بمثله.
واعلموا أنه شافع مشفع، وقائل مصدق، وإنه من شفع له القرآن يوم القيامة شفع فيه، ومن محل به القرآن يوم القيامة صدق عليه، فإنه ينادي مناد يوم القيامة، ألا أن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة عمله، غير حرثة القرآن، فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم واستنصحوه على أنفسكم، واتهموا عليه آراءكم واستغشوا فيه أهواءكم)
(فإذا اشتدت مفاصل الصبي، واستوى لسانه وتهيأ للتلقين ووعى سمعه أخذ في تعلم القرآن وصور له حروف الهجاء ولقن معالم الدين)
ولقد ذكر (عليه السلام) هذه الحقوق المتبادلة بين الآباء والأبناء فقال: (إن للوالد على الولد حقاً، وإن للولد على الوالد حقاً، فحق الوالد على الولد أن يطيعه في كل شيء إلا في معصية الله سبحانه، وحق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن أدبه ويعلمه القرآن)